"ولما أرادت معظم دول الغرب عقد الصلات السياسية بدول الشرق، والاغتراف من تراثه، والانتفاع بثرائه، والتزاحم على استعماره، أحسنتْ كل دولة إلى مستشرقيها، فضمهم ملوكها إلى حاشياتهم أمناءَ أسرارٍ وتراجمة، وانتدبوهم للعمل في سلكَي الجيش والدبلوماسية إلى بلدان الشرق، وولَّوْهم كراسي اللغات الشرقية في كبرى الجامعات والمدارس الخاصة، والمكتبات العامة، والمطابع الوطنية، وأجزلوا عطاءَهم في الحل والتِّرْحَال، ومنحوهم ألقابَ الشرف، وعضوية المجامع العلمية" [1] ، فأدَّوا للاستعمار خدمة مزدوجة:
-اشتغل نفر منهم بالآداب العربية والعلوم الإسلامية - أو استخدموا غيرهم في سبيل ذلك - ليوازنوا بين الآداب العربية والآداب الأجنبية، أو بين العلوم الإسلامية والعلوم الغربية؛ ليخرجوا دائمًا بتفضيل الآداب الغربية على الآداب الإسلامية، وإيجاد تخاذل روحي، وشعور بالنقص في نفوس المسلمين، وحملهم من هذه الطريق على الرضا بالخضوع للمدنية المادية الغربية [2] .
-وتفرغ نفرٌ آخر لدراسة أحوال المسلمين، ودق ناقوس الخطر كلما لاح في الأُفُق مظهر من مظاهر صحوة إسلامية، أو عامل من عوامل الاستقلال أو التفوق، حتى يبادر الاستعمار إلى سَحْقِ هذه التيارات أو تحويلها إلى غير طريقها الطبيعي؛ خوفًا من مواجهة"العملاق الذي بدأ يصحو وينفض النوم عن عينيه" [3] .
أقبل عدد من المستشرقين اليهود على دراسة الحضارة الإسلامية والثقافة العربية، في محاولة لإضعاف الإسلام والتشكيك في قِيَمه؛ وذلك بإثبات فضل اليهودية على الإسلام، بادِّعاء أن اليهودية هي مصدر الإسلام الأول، ولأسباب سياسية تتصل بخدمة الصهيونية كفكرة أولًا، ثم كدولة لها مقوماتها وذاتيَّتُها.
ويساعدهم في ذلك - بل يروج لهم - نفرٌ من الغربيين، يعتقدون أن خطر الإسلام عليهم أكبر من خطر الصهيونية،"وقد عرَف الصِّهْيَوْنِيُّونَ في عصرنا هذا مواطن القوة التي تسخِّرها الدعاية،"
(1) نجيب العقيقي، المستشرقون، جـ 3 ص: 1149.
(2) مصطفى خالدي وعمر فروخ، المرجع السابق، الفصل العاشر، بأكمله، ص: 217 وما بعدها.
(3) ننصح بقراءة كتاب: الإسلام قوة الغد العالمية، تأليف باول شمتز، وترجمة محمد شامة، مكتبة وهبة، القاهرة 1974.
(4) محمد البهي، المرجع السابق، ص: 534. عباس محمود العقاد، ما يقال عن الإسلام، ص: 12/ 13.