المطلب الرابع
القواعد المتفرعة عن قاعدة المشقة تجلب التيسير
هذه القاعدة تكرار للقاعدة السابقة؛ لأن معنى ضِيق الأمر هو المشقة، ومعنى الاتساع التيسير؛ أي: إنه إذا ظهرت مشقةٌ في أمر، يُرخَّصُ فيه ويوسَّع.
وهي قول للإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ أجاب بها في ثلاثة مواضع:
أ - إذا فقدتِ المرأة وليها في سفر، فولت أمرها رجلًا، يجوز.
ب - في أواني الخزف المعمولة بالسرجين [1] ، أيجوز الوضوء فيها؟
فقال: إذا ضاق الأمر اتسع.
جـ - سئل الإمام الشافعي عن الذباب يجلس على غائط، ثم يقع على الثوب، فقال: إذا كان في طيرانه ما يجف فيه رجلاه، وإلا فالشيء إذا ضاق اتسع.
ومن تطبيقات هذه القاعدة: أن المَدِين المعسِر تؤجل مطالبته إلى وقت اليسار؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] .
الرخص شُرِعت للتخفيف على الناس في الطاعات دون المعاصي، وهذا قيد يرِدُ على قاعدة المشقة تجلب التيسير؛ أي: المشقة المتولدة عن فعلِ طاعةٍ أو أمرٍ مباح، أما المشاقُّ المتولدة عن المعاصي فلا تكون سببًا للتيسير والتوسعة على المكلف.
ومن الأمثلة على ذلك:
لا يستبيح العاصي بسفره شيئًا من رخص السفر؛ من القصر والجمع بين الصلاتين، والفطر والتنفل على الراحلة، وترك الجمع، وغير ذلك.
ويجب التفريق بين المعصية بالسفر، والمعصية فيه؛ فالعبد الآبق، والناشزة، ونحوه: عاصٍ بالسفر، والسفر نفسه معصية، والرخصة منوطة به مع دوامه، ومعلقة ومترتبة عليه ترتُّبَ المسبَّب على السبب؛ فلا يباح.
ومَن سافر سفرًا مباحًا، فشرِب الخمر في سفره، فهو عاصٍ فيه؛ أي: مرتكب المعصية في السفر المباح، ونفس السفر ليس معصية، ولا إثمًا به، فتباح فيه الرخص؛ لأنها منوطة بالسفر، وهو في
(1) السرجين: الزبل، وسرج الأرض: سمدها بالزبل (الرازي، مختار الصحاح) (ص 293) .