وراح يضرب لذلك أمثلة بتصرُّف الملوك والحكام والمفتين، وتصرُّف الإنسان نفسه بأمور متوافقة ومتخالفة ومتضادة، وأنه ليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرفات مع بعض، مع اختلافها في نفسها واختلاف أوقاتها [1] .
يقول الدكتور مشهور موسى:"وأما الشوكاني فقد انتصب للرد على الأخذ بفن التناسب في القرآن، وأنحى باللوم والتقريع على أئمة التفسير، وأطال في الاستدلال برأيه، وأبدأ في ذلك وأعاد" [2] .
يقول الشوكاني:"اعْلَمْ أن كثيرًا من المفسرين جاؤوا بعلم متكلف، وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه؛ وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف، فجاؤوا بتكلُّفات وتعسُّفات يتبرَّأ منها الإنصاف، ويَتنزَّه عنها كلام البلغاء، فضلًا عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف، وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره، ومَن تَقدَّمه حسبما ذكر في خطبته" [3] .
يقول الدكتور أحمد محمد الشرقاوي سالم:"ونحن نُوافق الشوكاني في أن التكلُّف منهي عنه في التفسير أو في غيره، وأنه لا يجوز التكلم بمحض الرأي المنهي عنه، فعلم المناسبات يحتاج إلى تدبُّر وتفكُّر لا إلى تكلُّف وتعسُّف، وهو علم لا بد منه ولا غنى عنه لأي مفسر؛ لأنه يُعين على فَهْم المعنى والترجيح بين الآراء، ومعرفة المقاصد العامة للآيات والسور، وغير ذلك من فوائد، والمناسبة قد تكون واضحة جلية، وقد تحتاج إلى تأمُّل دقيقٍ وتدبُّر عميقٍ، فإذا خَفِيت المناسبة، فلا ينبغي إنكارُها ونفيُها" [4] .
ثانيًا: الرد على المعترضين:
(1) السابق، ص 339.
(2) التناسب القرآني عند البقاعي؛ للدكتور مشهور موسى، ص 53.
(3) فتح القدير؛ للشوكاني، ج 1، ص 86.
(4) موقف الشوكاني في تفسيره من المناسبات، بحث محكم بكلية أصول الدين جامعة الأزهر 1425 هـ؛ للدكتور أحمد محمد الشرقاوي سالم، ص 4.