الصفحة 14 من 42

وفي الإجابة عن كلام العالمين الجليلين، ربما تَحسُن الإشارة إلى الأمور الآتية:

1 -أنهما يتفقان في مجمل الاعتراضات، بل يمكن القول: إن كلام الشوكاني رحمه الله هو بسط وتطويل لكلام العز بن عبد السلام، لكن في سياق خطابي، ولذلك لن أُفرد كل واحد منهما بجواب خاص.

2 -أن العز - رحمه الله - لا يرفض التناسب مطلقًا، بل يَشترط فيه أن يقع في أمر مرتبط أوله بآخره، دون ما يقع على أسباب مختلفة، على حد تعبيره، وهذا سببٌ لوجازة كلامه وخِفة حِدَّته كما يبدو [1] .

وقد ذكر الدكتور مشهور موسى أنه بالإفادة مما كتبه الباحثون قديمًا وحديثًا، فإن رأي العز مردوم أولًا بنقل الزركشي، وقد قال الزركشي عقب إيراده رأي العز مباشرة:"قال بعض مشايخنا المحققين: قد وهم من قال: لا يطلب للآي مناسبة؛ لأنها على حسب الوقائع المتفرقة، وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلًا، وعلى حسب الحكمة ترتيبًا وتأصيلًا، فالمصحف كالصحف الكريمة على وَفق ما في الكتاب المكنون مُرتبة سورُه كلها وآياته بالتوقيف، وحافظ القرآن العظيم لو اسْتُفْتِي في أحكام متعددة، أو ناظَر فيها، أو أملاها - لذكر آية كل حكم على ما سُئِل، وإذا رجع إلى التلاوة لم يتلُ كما أفتى، ولا كما نزل مُفرقًا، بل كما أُنزل جُملة إلى بيت العزة" [2] .

يقول الدكتور مشهور موسى:"وعلى فرض أن الإمام العز بن عبد السلام قد رام هذا، فإن القرآن كلام الله الأزلي المتصف بالكمال والمنزه عن النقص، ونزول آياته منجمة لأسباب خاصة في أزمنة متباعدة، لا يمنع التناسب بينها، فهي متناسبة في اللوح المحفوظ قبل نزولها، ولتقريب الصورة - مع فارق التشبيه - نتخيل معًا أن هناك بناءً تامًّا، وفي وقت ما تفرَّق هذا البناء، وأخذ منه كل حسب حاجته، ثم جيء بعد ذلك، وجُمِع ورُتِّب على ما كان من قبلُ، وهو ما كان بالفعل من حال آيات الله وسوره، ولله المثل الأعلى" [3] .

وأما ملخص ما جاء في الرد على الإمام الشوكاني: أنا ما زلنا نرى دارسي الأدب يُعنون بإبراز التناسب بين أبيات القصيدة وارتباط أغراضها ببعضها، وحسن انتقال الشاعر أو الكاتب من

(1) ينظر التناسب في سورة البقرة؛ للدكتور طارق مصطفى، ص 28.

(2) البرهان في علوم القرآن؛ للزركشي، ج 1، ص 37.

(3) التناسب القرآني عند البقاعي؛ للدكتور مشهور موسى، ص 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت