و (المنهاج المستتر) في التربية الحديثة يكرِّس مفاهيم العمل الصناعي والتجاري، وقِيَم الاستهلاك وعاداتها، من حيث أداءُ العمل والانضباط، وطاعة الأوامر وغير ذلك، وهو يصنف المعرفة إلى درجات، ويغرس في نفوس التلاميذ تفوق المعارف التي تحقق المكاسب المادية على غيرها، ويعمل على تهيئة أبناء الفقراء الذين يدرسون في المدارس العامة للأعمال المهنية، وتهيئة أبناء الطبقة الوسطى الذين يدرسون في المدارس الخاصة للإدارة والوظائف العليا، كذلك يعمل (المنهاج المستتر) على تحديد مفهوم الطالب عن نفسه وذاته؛ حيث إن فشله في المنهاج الصعب أو غير المناسب يجعله يلقي اللوم عن نفسه، وتتكوَّن لديه صورة متدنية عن ذاته، وفي المقابل فإن مَن يسهل المنهاج نجاحه يكوِّن عن ذاته صورة متعالية تجعله ينسب النجاح لقدرات متميزة فيه؛ أي: إن المدارس في التربية الحديثة تطور عادة (لوم الضحية) و (مكافأة المستغل) [1] .
ويرى (بولو فرير) : أن المنهاج المستتر المصاحب للمنهاج التربوي الرسمي الظاهر في العالم الثالث كان من الأدوات الرئيسة لضمان (ثقافة الصمت) عند مَن لا يملكون، ولدمج الناشئة في النظام الاجتماعي القائم، وجعلهم يقبلون منطقه المأساوي، ويسهمون في المحافظة على استمراره [2] .
ويؤخذ على المناهج المطبقة في غالب الأقطار العربية عدة أمور هي:
1 -الفصل بين العلمي والأدبي؛ مما يفرز ثنائية اجتماعية متناقضة التفكير والولاء.
2 -في فترة ما قبل العولمة التركيز على تاريخ الماضي وعلومه؛ مما يصرف عقول الطلبة عن الاهتمام بحاجات الحاضر وتحدِّياته، ويشغلهم بالجدال حول تفاضل الماضين ومفاخرهم أو نواقصهم، وفي فترة ما بعد العولمة يركز المنهاج على (اغتراب) الإنسان العربي والمسلم عن ثقافته وهويته، وتحويله إلى (عامل) لا ينتمي إلا لمكان العمل الذي يقدم له الغذاء والكساء والمتعة الجسدية.
3 -التركيز على التلقين النظري أكثر من التطبيق العلمي؛ مما يغرس فيها عادة الرضا بالأقوال دون الأعمال.
4 -التركيز على مهارات العمل كاستعمال الحاسوب، ويهمل علوم الاجتماع والدين.
5 -الاكتفاء بالإلقاء النظري الجاف دون توفير البيئة والقدوة المفرِحة؛ مما يدرِّب الطلبة على الصبر على حياة الضنك، والرضا بالواقع المأساوي [3] .