الصفحة 5 من 23

يمرُّ في عمليات دقيقة من التحليل والتركيب والفرز، ثم يوزع ما كان صالحًا على الأعضاء، ويطرد ما هو غير صالح خارج الجسم.

وكذلك الفرق بين هضم الأفكار والحقن بها؛ هضم الأفكار يمررها أولًا على عقول الباحثين والعلماء المختصين؛ لتقوم بتحليلها وإعادة تركيبها وفرزها وتصنيفها بما يلائم حاجات الزمان والمكان، ثم يحوِّلها إلى تطبيقات عملية، ثم يوزِّعها على مؤسسات المجتمع التنفيذية بمختلف ميادينها ومسؤولياتها، ثم يتابعها بقياس النتائج الحاصلة وتقويمها، ثم يستعمل حصيلة التقويم لبدء دورة فكرية جديدة.

أما حقن الأفكار، فهو يترك للمؤسسات التنفيذية أن تتناول الأفكار رأسًا من مصادرها وجبات جاهزة، ثم يصبُّها في عقول الأفراد ويشيع تطبيقاتها في شبكة العلاقات؛ لتكون النتيجة إفساد أساليب التفكير، وتمزق حلقات السلوك، وتشويه الكيانات، وتشتيت الاتجاهات، وعقم الممارسات.

لذلك؛ فإن الحاجة جد ماسة لتطوير (نظرية تربوية) تتجسد في تطبيقاتها العملية لتستخرج (وسع) الأفراد وتنظم عمل المؤسسات؛ للتكامل في أعمالها وحمل مسؤولياتها.

ثانيًا: تعريف المصطلحات:

قبل الحديث عن مكونات النظرية التربوية وتطبيقاتها، يحسُن بنا أن نحدد بعض المصطلحات المتعلقة بهذه الدراسة، وهذه المصطلحات هي:

النظرية مشتقة من الفعل (نظر) ، ومعناه: حاول فهمه وتقصِّي معناه وحقيقته بالفهم والتجريب والاختبار، وفي القرآن الكريم: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [يونس: 101] ، وتتكرر الدعوة إلى النظر في تركيب الإنسان والحيوان والنبات، وحال المجتمعات والحضارات في عشرات السور، ويقول ابن تيمية:"والنظر جنس تحته حق وباطل، محمود ومذموم"، ويضيف:"إن النظر لا يقتصر على البصر والإبصار بالعين، وإنما هو يشترك فيه العقل والحواس جميعًا" [1] .

وفي العصر الحديث اتسع مفهوم النظرية التربوية لتعني التخطيط المسبق الشامل لما يراد أن يكون عليه إنسان العصر من معلومات، وما يتقنه من مهارات، وما يتصف به من قِيَم وعادات واتجاهات، ولما يراد أن تكون عليه شبكة العلاقات المنظمة لعمل المؤسسات وسلوك الجماعات المختلفة، مع مراعاة السنن

(1) - ابن تيمية،"الفتاوى الكبرى"، كتب السلوك، ج 1، ص 486.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت