التلفزيون والراديو والصور المتحركة، والكمبيوتر والإنترنت، ودور النشر والصحف والمجلات، والخطب والأحاديث والمناقشات، والملصقات والإعلانات، وغير ذلك.
وأمام هذا التدقيق المعرفي تجد المجتمعات العربية نفسها أمام موقفَين متناقضَين، لا مناص من الأخذ بأحدهما؛ فإما أن تقبل ببعض هذه المحتويات، وترفض البعض الآخر بطرق عشوائية غير محددة الأهداف ولا مدروسة النتائج، وإما أن تتعامل معها طبقًا لأهداف مدروسة تحدد نوع (المحتوى) الذي تقبله أو ترفضه، ثم تنظم هذا المحتوى في (تطبيقات) عملية تنفذها خبرات تخصصية، تهيِّئ للإنسان العربي أن يتفاعل مع بيئته المحيطة بحيث يسخِّرها ولا تسخره، ويسهم في تحقيق الأهداف المبتغاة، ثم تتبع ذلك بـ (التقويم) الذي ييسر التعرف على نسبة النجاح أو الفشل.
ولا شك أن ما تواجهه المجتمعات العربية والإسلامية من ضخامة التحدِّيات وتزاحم المشكلات سببه ما في النفوس من مفاهيم وتصورات، وقِيَم واتجاهات، ومناهج في التفكير؛ ولذلك كانت دراسة نُظُم التربية والثقافة التي تفرز هذه المحتويات النفسية وتوجِّه تطبيقاتها - أمرًا في غاية الأهمية؛ لأن في تغييرها تغيير لما في هذه المجتمعات من أحوال أسيفة، وهذا بعض ما يوجه إليه قوله - تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] .
ولكن التغيير المطلوب لا يكون بالانتقال من تقليد الغرباء، ولا بالعزلة والتوقُّع السلبي؛ فمند مطلع هذا القرن والمفكرون والسياسيون والإداريون في العالم العربي والإسلامي ينقسمون إلى فريقين من المقلدين: مقلدين للقديم الموروث، ومقلدين للجديد المستورد، وكلا الطرفين يشيد بما يدعو إليه، ويهاجم ويقدح ما ينفر منه، دون محاولة للدرس أو التحليل، يصدق عليهم قوله - تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: 26] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( ... وسيأتي على الناس زمان يقلّ علماؤه ويكثر خطباؤه ) ) [1] .
إن المشكلة ليست في الأفكار الموروثة وتطبيقاتها أو الأفكار المستوردة وتطبيقاتها، ولكنها مشكلة الأسلوب الذي نتعامل به مع الأفكار وتطبيقاتها العملية، فنحن نحقن عقولنا وعقول ناشئتنا بالأفكار، ولا نهضمها ولا ندربهم على هضمها، وتكون النتيجة هي قتل التفكير والابتكار، والفرق بين هضم الأفكار وحقنها كالفرق بين الحقن بالطعام وهضمه؛ فلو إن أنسانًا قال لنفسه: لماذا أتعب نفسي بغلي الحليب وشربه وملء معدتي به؟ دعني أصبَّه مباشرة في شراييني لينقله الدم إلى الأعضاء مباشرة ويغذيها به - لكانت النتيجة فساد تركيب الدم، وتسمُّم هذا الإنسان وقتله، أما حين نتناوله لتهضمه معدتنا فإنه
(1) -"مسند أحمد"، ص 1؛ تصنيف الساعاتي، ص 161، ص 39.