الصفحة 5 من 19

لا خِلافَ في مشروعيَّة الأُضحِيَّة؛ فإنها من شَرائِع الدِّين، ومن أعظم شعائر الملَّة، وهي النُّسك العام في جميع الأمصار، وهي من ملَّة إبراهيم الذي أُمِرنا باتِّباعه، والنُّسك مقرونٌ بالصلاة كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162 - 163] ، وقال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2] .

قال أهل التفسير: المراد بالنَّحر: ذبْح الأُضحِيَّة بعد صَلاة عيد الأضحى.

ولا شكَّ أنَّ صلاة الأضحى داخِلة في عُموم قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} ، وأنَّ الأُضحِيَّة داخِلة في عموم قوله: {وَانْحَرْ} ، وروى الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة عشر سنين يُضحِّي» .

وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُضحِّي بكبشَيْن، وقال: وأنا أُضحِّي بكبشين» .

وفي الصحيحين عنه رضي الله عنه أيضًا، قال: «ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكبشَيْن أملحَيْن أقرنَيْن، ذبحهما وسَمَّى وكبَّر، ووضَع رِجلَه على صِفاحهما» .

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر بكبش أقرن يَطَأُ في سَواد، ويبرك في سواد، ويَنظُر في سواد، فأتى به ليُضحِّي به، فقال لها: «يا عائشة! هَلُمِّي المُديَة ـ السكين ـ» ، ثم قال: «اشحذيها بحجر» ، ففعلَتْ، ثم أخَذَها وأخَذ الكبش فأضجَعَه، ثم ذبَحَه، ثم قال: «بسم الله، اللهمَّ تقبَّل من محمد وآل محمد، ومن أمَّة محمد» ، ثم ضحى به.

والأحاديث في مشروعيَّة الأُضحِيَّة كثيرةٌ، وسبَق قول ابن عمر رضي الله عنهما: «أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يعني: بالمدينة) عشر سنين يضحي» .

وقد واظَب خُلَفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه على الأُضحِيَّة في حَياته - صلى الله عليه وسلم - وبعدَ وَفاته، وكذلك المسلمون من بعدهم في سائر الأعصار والأمصار؛ فدَلَّ على مشروعيَّتها الكتابُ والسنَّة والإجماع.

والجمهور على أنها سنَّة مؤكَّدة (غير واجبة) في حَقِّ كلِّ مَن قدر عليها من المسلمين المقيمين والمسافرين، إلاَّ الحجَّاج بمنى، فاختار أكثرُ أهل العلم أنهم لا أُضحِيَّة عليهم؛ فإنَّ الأُضحِيَّة لغير الحجاج، وأمَّا الحجاج فالمشروع في حقِّهم الهدي.

قال أحمد: يُكرَه تركُها مع القدرة.

قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: أكثر أهل العلم على أنها سنَّة مؤكَّدة غير واجبة.

وقال الطحاوي: وليس في الآثار ما يدلُّ على وجوبها.

وذهَب جماعةٌ من أهل العلم إلى وجوبها، فأوجَبَها الإمام أبو حنيفة رحمه الله على كُلِّ مسلم حرٍّ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت