الصفحة 7 من 19

رُوِي عن النبي - صلى الله عليه وسلم: وسُئِل: ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنة أبيكم إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -» ، قالوا: ما لنا فيها من أجر؟ قال: «بكلِّ قطرة حسنة» ؛ رواه ابن ماجه عن زيد بن أرقم، ورُوِي عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أُنفِقت الوَرِق في شيءٍ أفضل من نحيرةٍ يوم عيد» ، رواه البيهقي عن ابن عباس، والحديثان ضعيفان عند أهل العلم، لكن يُستَأنس بهما مع الأدلَّة الأخرى.

وروى ابن ماجه والترمذي ـ وحسَّنه ـ عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما عمل ابنُ آدم يومَ النَّحر عملًا أحبَّ إلى الله من إراقة دمٍ، وإنها لتأتي يوم القِيامة بقُرُونها وأظلافها وأشعارها، وإنَّ الدم ليَقعُ عند الله بمكانٍ قبل أنْ يقع على الأرض، فطِيبُوا بها نفسًا» .

وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما من أيَّامٍ العملُ الصالح فيهنَّ أحبُّ إلَيَّ من هذه الأيَّام العشر؛ يعني: عشر ذي الحجة» ، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلاَّ رجل خرَج بنفسه وماله ولم يَرجِع من ذلك بشيء» .

قلت: والذبح قَرِينُ الصلاة في مواضع من كتاب الله؛ وذلك دليل على فضله وعظم التعبُّد لله به؛ قال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أمَر الله أنْ يجمَعَ بين هاتين العبادتين، وهما: الصَّلاة والنُّسك الدالَّتان على القُرب والتَّواضُع والافتِقار إلى الله، وحُسن الظنِّ به، وقوَّة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله وعدته، عكس حال أهل الكبر والنُّفرة، وأهل الغِنَى عن الله الذين لا حاجة لهم في صَلاتهم إلى ربِّهم، ولا ينحَرُون له خَوْفًا من الفقر؛ ولهذا جمَع الله بينهما في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162] .

والنسك: الذبيحة لله ابتِغاءَ وَجهِه، فإنهما أجلُّ ما يتقرَّب به إلى الله، فإنَّه أتى بهما بالفاء الدالَّة على السبب؛ لأنَّ فعل ذلك سببٌ للقِيام بشُكرِ الله على ما أعطاه الله من الكوثر.

وأجَلُّ العِبادات البدنيَّة الصَّلاةُ، وأجَلُّ العبادات المالية النَّحر، وما يجتَمِع للعبد في الصلاة لا يجتَمِع له في غيرها، كما عرفه أرباب القلوب الحيَّة، وما يجتَمِع له في النَّحر إذا قارَنَه الإيمانُ والإخلاصُ من قوَّة اليَقِين، وحُسن الظنِّ؛ أمرٌ عجيب، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرَ الصَّلاة، كثيرَ النَّحر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت