الشرائع في الطبائع، بل المسألة غير ذلك، المسألة حيوية غير جامدة، ومتدرجة غير محصورة في درجة، ونسبية غير مطلقة، وعرضية غير جوهرية، وحالية غير ذاتية، أي أن التطابق والتماثل والموافقة تكون في مقال دون مقال، وحال دون حال، وظرف دون ظرف، وأما افتراض غير ذلك في حال غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهو وهمٌ يقود إلى وهم، وغفلةٌ في نظر المجتهد تقود إلى عقيدةٍ في سلوك المقلد، وتجاوزٌ في عمل الجماعة يُفضي إلى خلل في توجه الأمة، وهذا مما يفسر صعوبة تجديد الوعي والعودة لأصل الدين ومفاهيم الوحي، مع أن دلالات الوحي عظيمة في ربط الإنسان بالله، حتى أن مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام -على جلالة قدرهم وعلو كعبهم- انحصرت في البشارة والنذراة! {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165] ، بل إن مفاهيم التعليم والتزكية والهداية والاتباع المتعلقة بهم عليهم الصلاة والسلام لم تأتِ مطلقة بل مقيدة {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأحقاف: 9] ، وفي التعليم والتزكية قُيد الموضوع بآيات الله وكتابه {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129] ، وفي الهداية {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] ، هذا في المفاهيم والمعاني، وأما في الكلام والألفاظ والمقولات، فلم يُزكَّ منطق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمطابقته للوحي إلا ما كان في حق محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) } [النجم: 3، 4] ، وفق منظومةٍ من الضمانات الإلهية العظيمة التي كانت ترعاه في الحكم والاجتهاد وتحميه من التقول على الله، {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) } [الحاقة: 44 - 47] ، {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) } [الإسراء: 73 - 75] ، {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 145] ، {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120] ، {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} [الرعد: 37] ، إن كل قولٍ هو دون كلام الله، وكل فهمٍ هو دون