مراد الله، وكل وعيٍ هو دون وحي الله، والعبرة في ذلك كله بالعقل عن الله، وتأصيل الفهم بكلامه، وتجديد الوعي بوحيه.
وعليه فلا يمكن القول في إرثنا الثقافي الفكري، لاسيما الذي يكثر حوله التنازع، أن الجدل فيه محسوم، والنظر معلوم، والتجديد معدوم!! إذ أن هذا ادعاء ليس من روح الوحي، ولا يقبله الوعي، بل إذا كانت هذه الجدليات تاريخية، وثبتت الحاجة لتجديد النظر فيها، وتقريبها، وتعميقها، أو حتى نقدها ومراجعتها، والتراجع عنها، فإنه من الضروري ألا يتصلب نظر العلماء، ولا أن يُصرّ قادة الفكر على ملازمة الخندق الواحد عندما يحمى الوطيس، وتقوى مناورات العقول وتدافعات الأفكار، بل علينا أن نُقدِّر لكل ظرفٍ قدْره، وأن نكون في صف التجديد لا في خندق الجمود والتمجيد، بل علينا أن نتراجع قليلًا - إن لزم الأمر- لرقعةٍ أوسع من المتفق عليه، وحدٍ أكبر من المشترك، ومعيارنا في ذلك كله حماية مفاهيم الوحي والذود عن حياضها اللغوية والمنطقية والتأويلية والتنزيلية، لا رعاية الشخوص والذوات والبُخل بماء وجهها أمام تجدد العقول والظروف؛ لأن المطلوب الشرعي في الثبات على الحق يدافعه مطلوب أعلى وهو: تَبَيُنْ الحق والاقتراب منه أكثر من ذي قبل.
إن الوعي المهتدي بالوحي: هو حالة هدايةٍ إدراكية، متجددةٍ ومتمددة، تَقْصِدُ لاستيعاب الحقائق وتجلياتها، والكليات وتمثلاتها، والمقاصد وموجباتها، في خلق الله وأمره، ببصرٍ وبصيرةٍ، وبعلم وخشية وعلى قدر الطاقة. [1]
الوعي بهذا المفهوم ليس جديدًا، بل هو تجديدٌ لصلة النص الإلهي بالفهم البشري الحياتي على الأرض، وهذا النوع من التجديد له آفاقٌ ونتائج كبيرةٌ وكثيرةٌ ولاشك، يمكن التنبيه على بعضها في ختام هذا البحث، منها:
-قوة هذه الصلة بين الوحي والوعي في منح الإنسان القدرة على التعامل مع العقل بنظامه التوسعي الإبداعي، ونظام الحياة التطوري المتنوع، ونظام الظرف المتجدد زمانًا ومكانًا وحالًا.
(1) - أعكف من زمنٍ على دراسة مفهوم الوعي وفق هداية الوحي، وأسأل الله التيسير.