الصفحة 17 من 50

تكويني، بمعنى: إنَّ براهما صرفهم بمقتضى التكوين عن أن يأتوا بمثلها، والأخير هو الظاهر؛ لأنه هو الذي يتفق مع قول جمهور علمائهم، وما اشتهروا من أنَّ القول بالصرفة نبع في واديهم. [1] .

ويتابع فيقول: وعندما دخلت الأفكار الهندية في عهد أبي جعفر المنصور، من والاه من حكام بني العباس، تلقَّف الذين يحبون كل وافد من الأفكار، ويركنون إلى الاستغراب في أقوالهم، فدفعتهم الفلسفة إلى أن يعتنقوا ذلك القول، ويطبقوه على القرآن، وإن كان لا ينطبق، فقال قائلهم: إن العرب إذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه ومعانيه ونسجه ونظمه، بل كان لأن الله تعالى صرفهم عن أن يأتوا بمثله [2] .

ويقول الرافعي: لما نجَمَت آراء المعتزلة بعد أن أقبل جماعة من شياطينها على دراسة كتب الفلسفة مما وقع إليهم عن اليونان وغيرهم نبغت لهم شؤون أخرى من الكلام، فمزجوا بين تلك الفلسفة على كونها نظرًا صرفًا، وبين الدين على كونه يقينًا محضًا ... فذهب شيطانُ المتكلمين أبو إسحاق إبراهيم النَّظام إلى أن الإعجاز كان بالصرفة، وهي أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها فكان هذا الصرف خارقًا للمادة [3] .

وكأنه يلمح ويشير إلى إمكانية إفادة المعتزلة من فلسفة اليونان، بالقول بالصرفة ولم يحدد أن إفادتهم من هذه المقالة من كتاب الفيدا أو الفلسفة الشرقية تحديدا، فكلامه كأنه يحتمل هذا مع أنه بحدود اطلاعي ومعرفتي عن الفلسفة اليونانية لا سيما أقطاب الفلسفة اليونانية الثلاثة: سقراط وأفلاطون وأرسطو لم يرد عنهم القول بالصرفة، وكتب الفلسفة اليونانية لم يقل أصحابها أنها

(1) - أبو زهرة، محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد، المعجزة الكبرى القرآن، دار الفكر العربي، سنة: 1390 - 1970 (ج 1،ص 57 + ص 58) .

(2) - السابق، (ج 1، ص 58) .

(3) - الرافعي، مصطفى صادق بن عبد الرزاق، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثامنة - 1425 هـ - 2005 م، (ص 101) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت