وتخرج من كوَّتين في أسفل برج الماء، ومن مسناة المستنصرية الآتية، سلسلتان ضخمتان، تحتضنان الجسر نفسه من جهتيه، ويطفو الجسر نفسه على زوارق مربوطة بهذه السلسلة (تسمى جساريّات) [1] ، وله حافتان في جانبيه. إن الصورة التي رسمها المطراقي لجسر بغداد هذا، وهو الجسر الوحيد عهد ذاك، هي أول شاهد على وجود الجسر في هذا المكان (حيث جسر الشهداء الحالي) بعد أن كان في أسفل القلعة مباشرة. ويتصل بالجسر طريق سيأتي وصفه.
ويلي هذا الطريق، من الجهة المقابلة للجسر مبنى عريض له مسناة عالية تصل إلى النهر، وواضح أنه المدرسة المستنصرية [2] ، ويعلو هذه المسناة صفان من أواوين، تشير إلى أواوين هذه المدرسة وحجراتها الكثيرة. ولا وجود لمبان شاطئية تلي المستنصرية، إلا من برجين لونهما بلون قرميدي مختلف عن لون السور، دلالة على أنهما ليسا من أصل بنائه. ويغطي البرج الأول سقف عريض، ذو لون بني غامق، بينما تغطي البرج التالي قبة مخروطية مستدقة الرأس، خضراء اللون. ويلتف حول بدنه شريط ربما كان يضم كتابة ما.
ويوجد في أقصى السور الشاطئي، من الجهة الجنوبية، برج عريض له كوى أو مزاغل مطلة على النهر، يحيط به سور عال فيه مزاغل أخرى ضيقة، ومن الواضح أن مهمة البرج حماية مدخل المدينة من جهة النهر.
يمثل الدرب النافذ من الجسر حدًا للثلث الأعلى من المدينة، وهو الذي وصفنا منشآته الآن، أما الدرب نفسه، وكان يعرف في العصر العباسي بدرب دينار الكبير، فيمتد مبتعدًا عن دجلة داخلًا في عمق المدينة، فيمر عن يمينه بمبنى طولاني فيه صف من خمسة أواوين، مما يظهر أنه سوق، وفي الواقع فأن هذه المنطقة تكتظ بالأسواق، منها سوق درب دينار، وهو شارع المأمون الحالي (مقابل المتحف البغدادي اليوم) ومنها سوق الريحانيين وما يتفرع منه من أسواق، وهو سوق الشورجة اليوم [3] .
ثم يمضي هذا الدرب فيعترضه مبنى يتألف من مدخل فخم يشتمل على باب معقود كبير مذهب، في أعلاه من الجانبين دائرتان مفرغتان في الجدار. وفي أعلى المدخل إفريز أو
(1) رسم منها المطراقي أربعة زوارق، بينما يصل عددها في الواقع إلى 34 قاربًا كما يذكر نيبور سنة 1766، رحلة نيبور إلى العراق، ترجمة محمود الأمين، بغداد 1965، ص 72، و 29 زورقًا. كما يذكر دوبريه سنة 1807. رحلة دوبريه إلى العراق سنة 1807 - 1809 ترجمة بطرس حداد، لندن 2011، ص 127، وسبب هذا التباين في عدد الزوارق أنها تقل في حال انخفاض مستوى النهر وتزداد بارتفاعه.
(2) أمر بإنشائها الخليفة المستنصر بالله سنة 631 هـ/1234 م.
(3) بنظر كتابنا: الأصول التاريخية لمحلات بغداد، بغداد 2004، ص 18 - 47.