وفدا مغربيا فيردون على هذا القول، بقولهم: إن الوفد المغربي لم يدخل منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شخص أو شخصان فلم تعطى لهم صفة الوفد.
فهؤلاء المثبتون يتمسكون بالقول بأن رجال ركراكة قابلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا عنه الدعوة، وباشروا نشرها في بلاد المغرب لفترة طويلة قبل أن يدخل عقبة بن نافع إلى المغرب فاتحا له. ويقدمون بعض الحجج ذكرنا بعضها إلى جانب احتجاجهم بالمكان الذي يحتضن اليوم ما يسمى برباط شاكر (سيدي شاكر) ، و الذي يقع في منطقة بين مراكش وآسفي بالقرب من إقليم شيشاوة، وهذا المكان احتضن أول مسجد - على حد قولهم - أنشئ في تاريخ المغرب الأقصى بأمر من عقبة. مما يعتبر إشارة دالة على أن عقبة ما كان ليشجع على إنشاء مسجد في المغرب لولا ثقته في معرفة ودراية المغاربة بالإسلام ومتطلباته. 5
فإذا صحت هذه الرواية تكون بذلك البذرة الأولى التي نبتت منها شجرة التعريب في المغرب.
وقد نستخلص من كل هذا أن هذه المنطقة كانت على (علم ما) بالإسلام قبل قدوم عقبة وأصحابه، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار ما ورد في بعض المصادر كـ"مفاخر البربر"و"كتاب العبر"وغيرهما من إسلام بعض أهل المغرب قبل دخول الفاتحين.
وكل هذه العناصر من شأنها أن تساعد على فهم بعض أسباب المرونة التي طبعت لقاء عقبة بالبربر أول مرة.
وفي البداية سجل أن تتبع التعريب في مراحله الأولى لا يكاد يشعر به الدارس، لأنه واقع تبلور بطيئا، بسبب تفاعل عدة عوامل داخلية وخارجية.
وهذا الواقع لا يلمس إلا في صورة أصداء خافتة وعند قراءة النصوص التاريخية نفاجأ بفراغ مهول في الرواية وفي أحسن الأحوال نصادف نتفا من الأخبار عن بدايات دخول الإسلام والعربية إلى المغرب. 6
لقد مر الفتح الإسلامي لبلاد المغرب من عدة مراحل، فقد كان في بداياته مجرد مقدمات وتمهيد للفتح الأكبر، فمنذ خلافة عمر رضي الله عنه، وحتى قيام الدولة الأمية والمحاولات تتكرر لفتح بلاد المغرب، لكن هذه المحاولات كلها ظلت محصورة في منطقتي المغرب الأدنى والأوسط.
إذ من المعروف أن المغرب الأقصى استعصى على الفاتحين فترة طويلة فلم تكن الفتوحات الأولى لبلاد المغرب الأقصى سوى غارات سريعة وغير مركزة.
لذلك تبنى معاوية بن أبي سفيان لسياسة جديدة إيزاء هذا الأمر فعمد بعد تسلمه لمقاليد الحكم، إلى تعيين عقبة بن نافع وتسليمه قيادة عمليات الفتح المنظم لبلاد المغرب سنة (50 هـ) فكان بذلك بداية مرحلة جديدة هي مرحلة الفتح المنظم لبلاد المغرب الأقصى.
وقد دخل العرب إلى بلاد المغرب موجات متتابعة، أولها كانت مع الفتح الإسلامي، ولعله من المفيد كخطوة أولى الإلمام بأحداث الفتوحات الإسلامية، لأنها وضعت أسس استيطان العرب بالمغرب، وبهذا تقرر مصير المنطقة، بل إنها تجاوزت في أهميتها ما كان يجري فيها من وقائع إلى ما هو أكبر عمقا. حيث تطورت الأمور