وقد ذكر صاحب البيان المُغرب بعض تفاصيل قدوم موسى بن نصير إلى المغرب وتحدث عن بعض دوره في نشر العربية إذ قال:
"ثم خرج موسى - رحمه الله - غازيا من إفريقية إلى طنجة فوجد البربر قد هربوا إلى الغرب من العرب فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا، وسبى منهم شيئا كثيرا حتى بلغ السوس الأدنى، وهو بلاد درقة، فلما رأى البربر ما نزل بهم استأمنوا وأطاعوا، فولى عليهم واليا واستعمل مولاه طارقا على طنجة وما ولاها في سبعة عشر ألفا من العرب واثني عشر ألفا من البربر وأمر العرب أن يعلموا البرابرة القرآن وأن يفقهوهم في الدين ثم مضى موسى قافلا إلى إفريقية". 16
وقد شهد المغرب بدايات التعريب مع بقاء بعض العرب وبعض العلماء فيه ليعلموا أبناءه الإسلام والعربية لأنه باللغة العربية يفهم ويطبق الدين.
وفي سنة 92 من الهجرة جاز طارق إلى الأندلس وفتحها بمن كان معه من العرب والبرابرة ورهائنهم الذين ترك موسى بن نصير عنده والذين أخذهم حسان بن النعمان من المغرب الأوسط قبله وكانت ولاية طارق على طنجة والمغرب الأقصى سنة 85 هـ وفي هذا التاريخ تم إسلام أهل المغرب الأقصى وحوّلوا المساجد التي كان قد بناها المشركون إلى القبلة وجعلوا المنابر في مساجد الجماعات وفيها صنع مسجد أغمات هلانة. 17
وقد انتعشت حركة التعريب في فترة موسى بن نصير كثيرا وبدأت تشيد المساجد والتي كان مراكز للعلم إلى جانب كونها دُورا للعبادة.
"وهذا أيضا جانب مهم في نشر العربية من خلال تخصيص الإدارة الجديدة لمعلمين وفقهاء وقراء لنشر الإسلام والثقافة العربية بين البربر الذين ظهرت بينهم همة عالية لتقبل هذا الدين فتمرسوا بتعاليمه السامية وآدابه العالية وأصبحوا من أكبر دعاته وأحمى أنصاره .. وحملوا الهداية الإسلامية والثقافة العربية إلى السوادين كما هو معلوم". 18
ورغم وجود هذه الدلائل التي تؤكد وجود بعض العوامل التي ساعدت على تعريب المغرب فلا يمكن أن نجازف بالقول ونقول أن هذه الفترة شهدت تعريب المغرب، وربما من الأدلة على أن اللغة العربية كانت لا تزال تتعثر أن العملة التي ضربت في نهاية القرن الأول للهجرة والتي كان بعضها يحمل اسم موسى بن نصير كانت مكتوبة باللاتينية، على الرغم من أنها متأخرة عن حركة الإصلاح النقدي التي قم بها عبد الملك في المشرق، 19 ففي سنة (76 هـ) كان حدوث السّكة في الإسلام، وأمر أمير المؤمنين عبد الملك بضرب الدنانير والدراهم بنقش الإسلام. 20
إن ما يمكن استخلاصه من هذا الكلام هو أن مجمل المؤشرات والقرائن تدل على أن الحديث عن التعريب في هذه المرحلة سابق لأوانه، بل يعتبر ضربا من المغامرة والعبث، لأن الظروف ربما لم تكن مواتية بعد للتعريب، لكن رغم سطحية التعريب في هذه الفترة إلا أنه شكل واقعا ظرفيا، إذ، سيزداد رسوخا مع التطورات اللاحقة التي فرضت على المنطقة وبعبارة أحق فإننا بصدد فترة تمهيدية ككل البدايات، وبصفة عامة، فإن العامل