الصفحة 10 من 47

اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها، وليس ذلك بالنظر إلى المفردات، وإنما هو بالنظر إلى التراكيب، فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع، وهذا هو معنى البلاغة، والملكات لاتحصل إلا بتكرار الأفعال؛ لأن الفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون حالا، ومعنى الحال أنها صفة غير اسخة ثم يزيد التكرار فتكون ملكة. أي: صفة راسخة، فالمتكلم من العرب حين كانت ملكته اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم، كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها، فيلقنها أولا، ثم يسمع التراكيب بعدها، فيلقنها كذلك، ثم لايزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة، ويكون كأحدهم. هكذا، تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل، وتعلمها العجم والأطفال، وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة العربية بالطبع. أي: بالملكة الأولى التي أخذت عنهم، ولم يأخذوها عن غيرهم، ثم إنه لما فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم، وسبب فسادها أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب أيضا، فاختلط عليه الأمر، وأخذ من هذه، فاستحدث ملكة، وكانت ناقصة عن الأولى، وهذا معنى فساد اللسان العربي." [1] "

وتعني الملكة عند ابن خلدون السليقة، والسجية الفطرية، والحدس اللغوي، وإنتاج اللغة الأم. كما تدل الملكة على كونها صفة راسخة في النفس. وبالتالي، ترتبط الملكة عند ابن خلدون بالملكة البلاغية واللغوية ليس إلا. وتشبه هذه الملكة ما تحدث عنه نوام شومسكي في إطار التمييز بين الكفاءة والإنجاز، وما تحدث عنه فرديناند دوسوسير حينما تحدث عن اللغة والكلام واللسان. ويتردد مصطلح الملكة عند ابن خلدون كثيرا،

(1) - ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، دار الرشاد الحديثة، دار الفكر، د. ت، ص:554 - 555.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت