الصفحة 9 من 47

المبحث الثاني: مفهوم الملكات في التراث العربي القديم

تحدث علماؤنا القدامى بشكل من الأشكال عن الملكات تلميحا أو تفصيلا، وخاصة في مجال اللغة والنحو والبلاغة واللسان، وربطوها بالسليقة والطبع والفطرة والصناعة والمهارة والكفاءة والذوق. ويعرفها الشريف الجرجاني على النحو التالي:"الملكة هي صفة راسخة في النفس. فالنفس تحصل لها هيئة بسبب فعل من الأفعال، ويقال لتلك الهيئة كيفية نفسانية، وتسمى حالة ما دامت سريعة الزوال؛ فإذا تكررت ومارستها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها وصارت بطيئة الزوال، فتصير ملكة. وبالقياس إلى ذلك الفعل عادة وخلقا" [1] .

ويعني هذا أن الملكة حالة مستمرة وبطيئة راسخة في نفس الإنسان، وتنبني على أفعال مكررة إلى أن تتحول الملكة إلى عادة وخلق وصناعة.

ويربط إخوان الصفا الملكة بالعادة والمهارة:". . . واعلم أن العادات الجارية بالمداومة عليها تقوي الأخلاق الشاكلة لها، كما أن النظر في العلوم والمداومة على البحث عنها والدرس لها، والمذاكرة فيها يقوي الحذق بها والرسوخ فيها، وهكذا المداومة على استعمال الصنائع والتدرب فيها يقوي الحذق بها والأستاذية فيها. . ." [2]

وتعني الملكات لدى إخوان الصفا الحذق والمهارة والرسوخ في الشيء، والمداومة والدربة والمران والتكرار. ويعني هذا أن الملكات مقترنة بالجودة والإتقان والمهارة والإدراك الجيد للأشياء والصنائع. وينضاف إلى ذلك، أن من أهم خطوات التعلم نذكر: الحفظ، والمحاكاة، والتكرار، والتجريب، والدربة، والإكثار من التمارين. وفي هذا الصدد، يقول ابن خلدون:"اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في"

(1) - الشريف الجرجاني: كتاب التعريفات، الدار التونسية للنشر، تونس،1971 م.

(2) - إخوان الصفا: رسائل إخوان الصفا، دار بيروت، لبنان، 1983 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت