الصفحة 11 من 47

فهي مدخل لكل دراسة لسانية وغير لسانية، وهي الصفة الراسخة في وجدان الكاتب أو اللغوي أو النحوي للتمييز بين الخطإ والصواب، ومعرفة الخير من الشر، والتفريق بين الحسن والقبيح، وهي بمثابة معيار للتمييز بين الصحيح اللغوي من اللاحن والمحال الرديء، والتفريق بين الغث والسمين. ويتم تحصيل الملكة بالطبع والسليقة والجبلة الفطرية، أو يتم تحصيلها بالاكتساب التدريجي إلى أن تصبح ملكة طبيعية في نفس الإنسان، مصقولة بالدربة والحصافة والمهارة. وقد تعني الملكة في البيان امتلاك الذوق بإدراك أسرار البلاغة البيانية نظما وبلاغة وطبعا:"اعلم أن لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان، ومعناها حصول ملكة البلاغة للسان، وقد مر تفسير البلاغة أنها مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه بخواص تقع للتراكيب في إفادة ذلك، فالمتكلم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم، وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده." [1]

ويعني هذا أن الذوق ملكة وجدانية بها ندرك أسرار الجمال في التراكيب البلاغية، ونتوصل إلى مواطن تميزها فنيا وجماليا. وهذه الملكة وجدانية تكتسب عن طريق التكرار، والدربة، والمران، وتذوق النصوص الأدبية.

ويذكر ابن خلدون في كتابه (المقدمة) مجموعة من الملكات الرئيسة، مثل: ملكة الحفظ، وملكة الفهم، وملكة الذوق. وتصقل هذه الملكات باللغة والبيان والبلاغة والنحو وعلوم الآداب حفظا وفهما. ومن هنا، لابد أن تترسخ الملكات في نفوس المتعلمين بالمران والدربة والمجاهدة، حتى تترسخ في نفوسهم، وتصبح مطبوعة وفطرية وسليقية.

(1) - ابن خلدون: نفسه، ص:562.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت