الصفحة 13 من 14

الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [1] .

إنها حسرة الظالمين المفسدين في الأرض الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا حين يحملون أوزارهم وأوزار الذين يضلونهم بغير علم، وحين يسمعون عندها قول الله: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وهم بالآخرة كافرون} [2] .

إنها الحسرة على أموال جمعت من وجوه الحرام؛ ربا، ورشوة، وغش، وغصب، وسرقة، واحتيال، وغيرها، فيا حسرة المقصرين! ويا خجلة العاصين.

يدعى للحساب قوم لا طاعة لهم ولا معصية، ولا كفر، ولا إيمان، منهم من لم تبلغه الدعوة بحال، ولا سمع لها بخبر، ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئا، ولا يميز، ومنهم الأصمّ الذي لا يسمع شيئا أبدًا، ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يُمَيزُوا شيئا، فيمتحنهم الله سبحانه وتعالى فيقول الذي لم تبلغه الدعوة: رب ما أتاني لك رسول، ويقول المجنون: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، ويقول الأصم: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، ويقول أطفال المشركين: رب جاء الإسلام وما نعقل شيئا، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها سحب إليها [3] وفي رواية: فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني، فيقولون: نعم فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا، فرجعوا إلى ربهم فيقولون: ربنا أجرنا منها فيقول لهم: ألم تزعموا أنى إن أمرتكم بأمر تطيعوني فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا، فرجعوا إلى ربهم فيقولون: ربنا أجرنا منها، فيقول لهم: ألم تزعموا أنّى إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول: اعمدوا إليها فأدخلوها، فمنهم من أطاع، ومنهم من عصى ورجع، فيقولوا: ربّنا خفنا منها ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول الله: إياي عصيتم فكيف لو رسلي أتتكم، ادخلوها داخرين. [4]

فمن امتثل وأطاع كان من أهل الجنة، ومن أبى وعصى كان من أهل النّار جزاء وفاقا، وليس أمام الإنسان عند تأمل هذا الحكم الإلهي إلا أن يسلم بعظيم حكمته سبحانه، ويقر بكمال عدله، فلم يظلم سبحانه هؤلاء فيدخلهم النّار لكونهم معذورين بعدم قيام الحجة عليهم، ولم يدخلهم الجنّة لكون الجنّة لا تدخلها إلا نفس مؤمنة.

(1) الآيات من 167:165 من سورة البقرة

(2) الآيات من 45:44 من سورة الأعراف

(3) رواه أحمد والطبراني وابن حبان عن الأسود بن سريع وأبي هريرة وصححه الألباني في صحيح الجامع (881)

(4) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد وضعفه (جـ 7 ص 350)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت