الخلق قيام لرب العالمين، والعرق غمر أكثرهم وبلغ منهم كل مبلغ، خاضعين صامتين، الأنبياء حول أممهم، الكتب كلها تحت العرش، قد اشتملت على أعمال الأولين والآخرين، لا يترك فيها صغيرة ولا كبيرة، وكل ما كانت تعمل الخلائق، وتكتبه عليهم الحفظة، في قديم الدهر، وحديثه، أول خط فيها {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفي بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [1] كل أمّة تقف وراء نبيها، الخلق وقوفا ينظرون ما يؤمرون فإذا بصحف أعمالهم تنشر بينهم {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراًّ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [2] إنه موقف عصيب، يوم يقع الكتاب بين يديك، وتقلب صفحاته، فتجد فيه المال الحرام الذي أكلته، والزنا الذي فعلته، وعقوق الوالدين، والغيبة، والنميمة، والغش، وشهادة الزور، وهجر القرآن، وترك الصلاة.
ينادي المنادي على كل أمّة برسولهم الذي اقتدوا به، فيقال: يا أمّة محمد، يا أمة عيسى، يا أمّة موسى، يا أمّة إبراهيم، فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء، فيأخذون كتبهم بأيمانهم، بعد أن ينادى على كل واحد من هذه الأمم وأولهم أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم فيفتح المؤمن كتابه، ويسارع إلى قراءته، فيجد فيه الصلاة، والصيام، والصدقة، وبر الوالدين، وقيام الليل، والاستغفار، وقراءة القرآن، وحسنات أخرى زائدة، فيقول له الله سبحانه وتعالى: عبدي هل اطّلعت فيقول: نعم يا رب، فيقول الله: عبدي: ألك حسنة مخفية، فيقول: لا يا رب، ولكنى أرى حسنات أزيد، فيقول له الله: هذه غيبة الذين اغتابوك، وظلم الذين ظلموك، ودعاء الذين دعوا لك بالخير، ودعاء الملائكة لك بالخير وأنت نائم، وأعمالك الصالحة التي عملتها، والخير الذي قدمته، فينظر لإخوانه في أرض المحشر وقد ملأته الفرحة ويقول: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ} [3] فأنا من الناجين، الفائزين بالنّعيم، بعد أن أحسنت ظني بربي، وبصدق رسوله، وأيقنت أنى محاسب فأعددت عدتي لذلك 0
قد يأتي العبد الصائم القائم في عبادته طول الليل والنهار، والعالم العامل يوم القيامة، فلا يجد في صحيفته حسنة واحدة، فيقول: يا رب أين ثواب أعمالي؟ فيقال له: نقلت إلى صحائف خصمائك، كل يوم بيومه، وربما يأتي العبد يوم القيامة ليعطى صحيفته، فيجدها كلها سيئات، فيقول: يا رب إني لا أعلم إني وقعت في هذه السيئات، فيقال له: هذه سيئات خصومك الذين وقعت في أعراضهم، واغتبتهم، واحتقرتهم، وشتمتهم، ورأيت نفسك أفضل منهم، وظلمتهم في المعاملة، والمبايعة، والمجاورة، والمخاطبة، والمناظرة، والمذاكرة، والمدارسة، وسائر أصناف المعاملات، فأحذر أخي المسلم من ذلك.
(1) الآية 14 من سورة الإسراء
(2) الآية 30 من سورة آل عمران
(3) الآية 19، 20 من سورة الحاقة