الصفحة 11 من 16

والعبرة في الكلية والشمولية بالنتائج توصل إليها ابن خلدون ومدى انطباق قضاياه الكلية التي استخلصها على غير ما درسه من مجتمعات، ومدى انطباق نظريته على سائر الحضارات.

2 -العلية؛ فلا تفسير بدون تعليل، ولن تتحقق العبر واستخلاص السنن والقوانين بدون هذه العلية، وأي فلسفة، في أي علم من العلوم، لا بد أن تعتمد التعليل، وهذا من الفروق الأساسية بين المنهج التأريخي التقليدي والمنهج الحضاري أو منهج تفسير التأريخ.

والتعليل - أيضًا - لا بد أن يكون قابلًا للتكرار، في أطر حضارية أخرى، ولا بد أن يكون (عامًّا) شأن سائر القوانين، وأما التعليل الجزئي، الذي يشبه"الحكمة"الخاطفة، فلا يرقى إلى التعليل المطلوب لمفسر التأريخ.

والتعليل التاريخي الذي يعتمده مفسر التأريخ، ليس تعليلًا جزئيًّا - كما

ذكرنا - وليس تعليلًا خارجيًّا، بل هو تعليل باطني، مُستقى من الرؤية الشاملة الفلسفية لما يقبع خلف الوقائع الظاهرة.

3 -الفكر؛ فإذا كان المؤرخ مجرد مسجل للحدث، باحث عن الطرق الصحيحة لإثباته، فإن مفسر التأريخ يحتاج إلى عمليات فكرية معقَّدة، في محاولة لجمع جزئيات الماضي، ولاستحضاره في حاضره، عن طريق بنائه بناءً تركيبيًّا، ولاستخلاص أسباب اتجاهه للإيجاب أو السلب، فالجانب المعرفي والفكري أساسي لمفسِّر التاريخ [1] .

هذا وقد امتازت نظرية ابن خلدون - بالإضافة إلى ما سبق - بمنج خاص بها، يتلخص هذا المنهج في نقطتين رئيستين؛ هما:

1 -الديناميكية أو الحركة؛ فقد أعطانا ابن خلدون صورة تبدو وكأنها إعادة حية (متحركة) للوقائع، حتى نحس بطبيعة العوامل التي تقف خلف الأحداث، ولهذا لجأ لرصد كل العوامل النفسية والبيولوجية والفكرية والعقدية والاقتصادية، وربط بينها وأعطى لكل عامل حجمه في مرحلته التاريخية، فتحاشى بذلك ما ذكر أنه من أغلاط المؤرخين؛ حيث الجهل بالطبيعة البشرية، وطبيعة المجتمعات.

2 -التعارض أو تقابل الأضداد: بالرغم من أن منهج تقبل الأضداد"الديالكتيكية"قد ظهر كمنهج إلا أننا لا يمكننا تفسير كلام ابن خلدون إلا على ضوئه، فعامل قيام الحضارة هو نفسه عامل زوالها! فالعصبية أساس قوة القبيلة وهي التي تلعب دورًا مهمًّا في تأسيس الملك وتكوين الدولة؛ فاتساع الدولة يكون مناسبًا مع قوة تلك العصبية (أيًّا كانت هذه العصبية؛ دينية أو عرقية أو جغرافية) وهي تنقل المجتمع من البداوة إلى التحضر،"ولكن صاحب الرياسة يطلب بطبعه الانفراد بالملك والمجد، والطبيعة الحيوانية تدفعه إلى الكبر والأنفة، فيأنف من أن يشاركه أهل عصبيته فيدفعهم عن ملكه، ويأخذهم بالقتل والإهانة وسلب النعمة، حتى يُصبحوا بعض أعدائه، وطبيعة التأله في الملوك تدفعه إلى الاستئثار؛ إذ لا تكون الرياسة إلا بالانفراد، فيجدع أنوف عشيرته وذوي قرباه لينفرد بالملك والمجد ما استطاع، ويعاني الملك في ذلك"

(1) - الدكتور عبدالحليم عويس: ابن خلدون وريادته لعلم تفسير التأريخ، مرجع سابق، ود. أحمد صبحي، في فلسفة التاريخ، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت