ت. ربطه بنصوص الوحيين.
إن أصل الأصول هو تحقيق الإيمان بما جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وأنه رسول الله إلى جميع الخلق: إنسهم وجنهم، عربهم وعجمهم، كتابيهم ومجوسيهم، رئيسهم ومرءوسهم، وأنه لا طريق إلى الله -عز وجل- لأحد من الخلق إلا بمتابعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم باطنا وظاهرا، حتى لو أدركه موسى وعيسى، وغيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لوجب عليهم اتباعه، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [1] .
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-:"ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه" [2] .
ولهذا جاء في الحديث: (لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني) [3] .
ومن خالف عموم رسالة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لا يخلو من أحد أمرين:
1 -إما أن يكون المخالف مؤمنا بأنه مرسل من عند الله؛ ولكنه يقول: رسالته خاصة بالعرب.
2 -وإما أن يكون المخالف منكرا للرسالة جملة وتفصيلا.
فأما المعترف له بالرسالة ولكنه يجعلها خاصة بالعرب، فإنه يلزمه أن يصدقه في كل ما جاء به عن الله تعالى ومن ذلك عموم رسالته، ونسخها للشرائع قبلها، فقد بين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه رسول الله إلى الناس أجمعين، وأرسل رسله، وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وسائر ملوك الأرض، يدعوهم إلى الإسلام، ثم قاتل من لم يدخل في الإسلام من المشركين، وقاتل أهل الكتاب، وسبى ذراريهم، وضرب الجزية عليهم، وذلك كله بعد امتناعهم عن الدخول في الإسلام، أما كونه يؤمن برسول ولا يصدقه في جميع ما جاء به، فهذا تناقض ومكابرة.
وأما المنكر لرسالة نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مطلقا، فقد قام البرهان القاطع على صدق صاحب الرسالة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، ولا تزال معجزات القرآن تتحدى الإنس والجن، فإما أن يأتي بما يناقض المعجزة القائمة، وإلا لزمه الاعتراف بمدلولها، فإن اعترف بالرسالة لزمه التصديق بكل ما أخبر به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم،
(1) سورة آل عمران، الآيتان 81 - 82.
(2) (انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية ص 77، 191 - 200) .
(3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3/ 338.