ث. الصبر على أخطائه.
قال الله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ في ضَيْقٍ مّمّا يَمْكُرُونَ} [1] .
وقال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنّ وَعْدَ الله حَقّ وَلاَ يَسْتَخِفّنّكَ الّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} [2] .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [3] .
«ولقد ضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الصبر على الأذى، وهو يدعو قومه وسائر الناس إلى الله تعالى، أروع الأمثال، وأعلى مراتب الصبر والتحمل في سبيل الله.
قال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال ما يأكله ذو كبد إلاّ ما يواري إبط بلال) قال الترمذي: حسن صحيح [4] .
وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير: (سألت ابن العاص، فقلت: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله؟ قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه على عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبوبكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبّيَ الله وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيّنَاتِ مِن رّبّكُمْ ... } [5] .
وقد روى البيهقي عن محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عروة، قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: (ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما كانت تظهره من عداوته؟، فقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط. سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم) ـ أو كما قال ـ، قال: (فبينما هم في ذلك، طلع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن. ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه
(1) سورة النحل، الآية 127.
(2) سورة الروم، الآية 60.
(3) سورة الأنعام، الآية 34.
(4) ابن كثير ـ البداية والنهاية ـ 3/ 45.
(5) سورة غافر، الآية 28.