الشباب يتوقد عاطفة، لا تجد عاطفة أصدق من عاطفة الشباب، تجده إذا جاء معك، جاء معك بكل قلبه وبكل جوارحه، تجده إذا أراد أمرًا ضحى بالذي أمامه والذي خلفه، ولم يسمع بعده لأحد، لكن ـ للأسف ـ أحيانًا تكون العاطفة عاصفة، فتحرفه يمنة أو يسرة، لذلك كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوصي أمثال هؤلاء الشباب، يرشدهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم كيف تكون عواطفهم؟ وفي أي شيء تُستغل؟ وإلى أين توجّه؟ يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال؛ فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) هكذا وجّه طاقتك، ولهذا وجّه عاطفتك، وجه عاطفتك في حب الناس، وفي السعي للخير لهم، وإياك إياك مهما كانت عاطفتك أن تظلم أحدًا على حساب قريب أو مجاملة صاحب أو رفيق، وجّه عاطفتك في حب الله، وإسلام الوجه لله، وأكثر أكثر من عبادة الله، أخي الفاضل، هذه العاطفة إن لم تتوجّه إلى الله انحرفت بك، إن في القلب فطرة تدعوك للعبودية، إن لم تجعل قلبك يركع ويسجد لله ركع وسجد لغيره، من لم يحب الله أحب غيره، ومن أحب غير الله عُذّب به، كما يقول طبيب القلوب ابن القيم رحمه الله تعالى، انظر لقلبك الآن يعشق من؟ ويهوى من؟ ويضحي لأجل من؟ ويسهر لأجل من؟ إن لم تجعل في قلبك الله هنت على الله، فأذلك الله بالمعصية، فأصبحت طاقتك وعاطفتك فيما لا يساوي شيئًا، أصبحت حياتك لأجل امرأة تحيض وتغوط وتبول وتمتخط، لأجل ولد أمرد، لأجل مكان سوءة وعورة، لا أقبح منه، لكن هكذا الشيطان إذا طُمست البصيرة، فاجعل قلبك مع الله، ألزمه العبادة، ألزمه القرب إلى الله، ضحِّ بالأوقات، اسهر الليالي، أنفق الأموال، اسجد واركع لكن لربك، شاب نشأ في عبادة الله، جاء شاب إلى محمد فقرب لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وضوءه في ساعة من الليل، وشبابنا في الليل أين هم؟ أين شبابنا في الليل؟ منهم من يقترف الحرام، ومنهم من يجلس على قنوات الحرام، لكن هذا الشاب في هذه الساعة قرّب لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وضوءه في ساعة من الليل، فقال: (من؟) فقال: ربيعة، اسم شاب من شباب الأنصار، فقال عليه الصلاة والسلام: (يا ربيعة، سل ما تريد؟) شاب لم يتزوج بعد، شاب له أفكار وأفكار، وأحلام وآمال، لكن لما سمع الطلب من رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تدري ماذا أراد؟ إنها الهمة يوم أن تسمو لا ترضى إلا بالجنة، ويوم أن تسفل ترضى بالسوءة والعورة، تدري ماذا أراد؟ قال: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، أسألك مرافقتك في الجنة، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهذا الشاب: (أو غيرها يا ربيعة؟) فقال: بل هي يا رسول الله، قال: يا ربيعة، أعنِ على نفسك