وسعى في الدعوة إلى الله، وقاد الجيش؛ لنصر دين الله على حدود الروم، دخل عليه الصلاة والسلام الجنة، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (دخلت الجنة، فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنتِ؟ قالت: أنا لزيد ابن حارثة) فالله الله ـ أيها الشاب ـ الله الله، اشغل وقتك واملأ فراغك واحمل هم هذا الدين، متعلمًا ومعلمًا للقرآن، هم هذا الدين؛ معلمًا للسنة ومتعلمًا لها، هم هذا الدين، داعية في الناس؛ مفتيًا وقاضيًا، احمل هم هذا الدين؛ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجاهد في سبيل الله، ولا تخاف لومة لائم.
لا شك أن فترة الشباب هي فترة القوة، فترة النشاط، فترة الفتوة، لكن في أي شيءٍ نستثمر هذا؟ في أي شيء ـ أيها الشباب ـ؟ كم من شابٍ غره شبابه، وسرته عضلاته، فسار يظلم الناس، ويعتدي على الناس، لماذا؟ أتذكر يوم كنت صغيرًا، كيف كان أمرك؟ فلماذا تفعل هذا الآن؟ يوم أن تعاظمت في نفسك، إن الظلم ظلمات، لا تغرك قوتك في أن تعتدي على أحد، فإن من فوقك الرب الواحد الأحد {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} البلد 5، لا يغرك مالك، فتظلم أحدًا، فإن من فوقك الرب الواحد الأحد {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} البلد 7، اتق الله، اتق الله خالقك، فإن كنت قويًا، ففوقك من هو أقوى، وإن كنت عظيمًا ففوقك من هو أعظم، وإن كنت غنيًا ففوقك من هو أغنى، إياك أن يغرك عزك وقوتك وجاهك ومالك، فتنسى لقاء ربك يوم القيامة.
أخي الشاب، هذه القوة اجعلها في طاعة الله، هذه الحيوية والنشاط اجعلها في الدعوة لله، أما سمعت عن ذاك الشيخ الكبير؛ ورقة بن نوفل وهو يقول لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بداية هذا الدين، يقول:"يا ليتني كنت فيها جذعًا ـ أي شابًا فتيًا قويًا ـ يا ليتني كنت حيًا حين يخرجك قومك، لئن أدركني هذا اليوم لأنصرنك نصرًا مؤزرًا"، فأين قوتكم؟ إن لم تستثمروها في طاعة الله، وأين فتوتكم؟ إن لم تجعلوها فيما يرضي الله.
فتية صبروا لما آذاهم قومهم، ولما لم يستطيعوا أن يتحملوا فروا إلى الله، فجعلهم الله لمن بعدهم آية، وقال الله عنهم: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} الكهف 13، وفتى كان أقوى منهم، صدع بالحق ولم يفر، بل وقف على التوحيد وحده، وما كان على التوحيد في زمانه إلا هو، وقام وكسّر أصنامهم، وناظرهم في باطلهم، وقال الله على لسان قومه: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} الأنبياء 60، وصفه الله بأنه فتى، فيه فتوة الشباب، وقوة الشباب، ففي أي شيء تستثمرون قوتكم؟ وفي أي شيء تنفقون طاقتكم؟ أنسيتم شباب أحد؟ يا ألله! ما أجمل قصص شباب أحد! أصروا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا يخرج بهم إلى الموت، إلا يخرج بهم إلى القتال، جاء منهم شاب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: يا رسول الله، تجلس بنا في المدينة، والله لتخرجن