بنا إلى الجنة، والله لتخرجن بنا إلى الجنة، فخرج بهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما طارت الرؤوس، وتكسرت الجماجم، وتناثرت الأشلاء، وتبعثرت الدماء، أحاط عشرة من شباب الإسلام بمحمد عليه الصلاة والسلام، أحاطوا برسول الأمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحولهم سيوف المشركين، فقال عليه الصلاة والسلام وهو يرجع بهم شيئًا فشيئًا يصعد إلى الجبل، حتى يكون له قوة في أن ينتصر على القوم الكفار، قال عليه الصلاة والسلام: (من يتقدم فيردهم عنّا، وهو رفيقي في الجنة) فقال شاب من الأنصار، منكم ـ يا أهل اليمن ـ قال شاب من الأنصار: أنا يا رسول الله، طار لها، يبحث عنها، رفيق من؟ وأين؟ أنا مع محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة، أنا يا رسول الله، أنا يا رسول الله، فطار إليهم فما يزال يقاتلهم، ضربوه بسيوفهم، ورموه برماحهم، وهو يرد عن رسول الله ومن معه، حتى يصعدوا إلى الجبل، حتى سقط شهيدًا، مضرّجًا بدماء شهادته، كاتبًا قصة بطولته، لتشهد عند الله أنه رفيق محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (من يتقدم، فيردهم عنا، وهو رفيقي في الجنة) فقال شاب آخر: أنا أنا يا رسول الله، فتقدم، حتى دافع وردهم ما استطاع، فقتلوه، ثم تقدم الثالث، والرابع، والخامس، والسادس، حتى قُتلوا الثمانية من شباب الأنصار، فوصل صلى الله عليه وعلى آله وسلم للجبل، هؤلاء هم شباب الأنصار، أنسيتم حنظلة بن أبي عامر يوم أحد؟ أين حنظلة؟ رفعته الملائكة في السماء، أين حنظلة؟ رآه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تغسله الملائكة بماء المزن في صحائف الفضة، قال: (إن صاحبكم تغسله الملائكة؛ فاسألوا صاحبته؟) فقالت امرأته: خرج جنبًا يا رسول الله، أول ما سمع الهيعة، قام من فراشه، ترك لذته، نسي زوجته، وحمل نفسه إلى الجنة، وغسلته الملائكة في السماء قبل أن تصعد روحه إلى الجنة، هؤلاء هم الشباب، حدّثتنا أحدٌ عن مصعب بن عمير؛ ذاك الشاب الذي كان في دعة ورفاهية، وكثرة مال وجمال، ثم أسلم، فشويّ ظهره بحصير، حتى دخّن جسمه، وهاجر الهجرتين، وجاء بالأنصار إلى رسول الله، وحمل لواء أحد، حتى قُتل، فما وُجدت البردة التي تغطي رأسه ورجله، هؤلاء هم الشباب، وأي شباب قال الله عنهم: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} آل عمران 169، تريدون حياة كهذه الحياة ـ يا شباب ـ فأين نحن من هؤلاء؟
شبابٌ ذللوا سبل المعالي = وما عرفوا سوى الإسلام دينا
تعهدهم فأنبتهم نباتًا = كريمًا طاب في الدنيا غصونا
إذا شهدوا الوغى كانوا كماةً = يدكون المعاقل والحصونا
وإن جن المساء فلا تراهم = من الإشفاق إلا ساجدينا
كذلك أخرج الإسلام قومي = شبابًا مخلصًا حرًا أمينا