الصفحة 43 من 95

وسكوت الصحابة عن بيان خطأ من قال يدفن عند المنبر أو ندفنه في المسجد ليس دليلا على الإقرار لوجوه:

الوجه الأول: عدم الجزم بأن كل الصحابة قد سمعوا قوله فكيف يقال أن كل الصحابة تركوا الإنكار عليه و لم نعرف من من الصحابة الذي حضر هذا القول و من الذي سمع هذا القول ومن الذي لم يسمع هذا القول؟

الوجه الثاني: قد يترك الإنكار على الخطأ إذا كان الخطأ معلوما واضحا لا يحتاج إلى بيان، ومن الخطأ البين القول بأن يدفن عند المنبر أو في مسجده.

الوجه الثالث: قد لا يرى من سمع هذا القول من الصحابة البدار بالإنكار؛ لأن المقام لا يحتمل الإنكار و ذكر الأدلة فمصيبة موت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت شديدة عليهم و لكل مقام مقال.

الوجه الرابع: قد يرى من سمع هذا القول من الصحابة أنه قول سائغ لمن أداه إليه اجتهاده، وإن لم يكن موافقا عليه بل يعتقد خطأه.

الوجه الخامس: قد يرى من سمع هذا القول من الصحابة أنه لو أنكر لم يلتفت إلى إنكاره وربما أدى إلى ما هو أنكر مما يريد أن ينكر لشدة المصيبة، وتقبل الناس النصح في حال الحزن و الشدة ليس كتقبلهم في حال الفرح والسرور و الرخاء، وقد مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: «اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي» قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى» [1]

الوجه السادس: قد يرى من سمع هذا القول من الصحابة أن العبرة بما آل إليه الاختلاف و ما انتهى إليه و ليست بالأقوال التي قيلت، وقد انتهى الاختلاف إلى دفنه حيث قبض فلا عبرة بالأقوال الأخرى.

(1) - رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 1283

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت