فَعِنْدَ ذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْوَلِيدِ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ الْعَشَرَةُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْخَرَابِ وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَأَنْ يُعَلِّيَ سُقُوفَهُ فَلَمْ يَجِدْ عُمَرُ بُدًّا مِنْ هَدْمِهَا، وَلَمَّا شَرَعُوا فِي الْهَدْمِ صَاحَ الْأَشْرَافُ وَوُجُوهُ النَّاسِ من بنى هاشم وغيرهم، وَتَبَاكَوْا مِثْلَ يَوْمِ مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم -، وأجاب مَنْ لَهُ مِلْكٌ مُتَاخِمٌ لِلْمَسْجِدِ لِلْبَيْعِ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ، وَشَرَعَ فِي بِنَائِهِ وَشَمَّرَ عَنْ إِزَارِهِ واجتهد في ذلك، وأرسل الوليد إليه فعولا كثيرة، فَأَدْخَلَ فِيهِ الْحُجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ- حُجْرَةَ عَائِشَةَ- فَدَخَلَ الْقَبْرُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَتْ حَدَّهُ مِنَ الشَّرْقِ وَسَائِرُ حُجَرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا أَمَرَ الْوَلِيدُ.
وَرُوِّينَا أَنَّهُمْ لَمَّا حَفَرُوا الْحَائِطَ الشَّرْقِيَّ مِنْ حُجْرَةِ عَائِشَةَ بَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَخَشُوا أَنْ تَكُونَ قَدَمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى تحققوا أنها قدم عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَ يُحْكَى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَنْكَرَ إِدْخَالَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فِي الْمَسْجِدِ - كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ الْقَبْرُ مَسْجِدًا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ [1]
و المتأمل في هذه القصة يجد أن العلماء أنكروا ما أراد الوليد فعله، واعترضوا عليه بدليل أنه شق عليهم و أبدوا ما يدل على الرفض"هَذِهِ حُجَرٌ قَصِيرَةُ السُّقُوفِ، وَسُقُوفُهَا مِنْ جَرِيدِ النَّخْل ...."و هذا تعليل الرافض للأمر لا الموافق له أي كيف تهدم الحجرة، وهي حجرة قَصِيرَةُ السُّقُوفِ، وَسُقُوفُهَا مِنْ جَرِيدِ النَّخْل .... ؟!، ولم يعبأ الوليد بكلام الفقهاء و أمر بتنفيذ ما أراد لغلبة مصلحة التوسعة عن المصالح الأخرى عنده.
و عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز - رحمه الله - لمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ هَدْمِ المسجد أي لم يجد مفرا من هدم المسجد، و الإنسان لا يفر إلا مما يسيئه و يكرهه و لا يريده وفي هذا إشارة إلى أن الأمر كان بخلاف ما أراد عمر بن عبد العزيز لكن
(1) - البداية و النهاية لابن كثير 9/ 74 - 75