فعل متأولا أنه من باب طاعة ولي الأمر - الخليفة الوليد -، وكون عمر بن عبد العزيز يباشر أمر البناء و إدخال حجرة عائشة في المسجد فهذا ليس دليلا على رضاه و لا نصا في رضاه.
و مما يدل على أن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - تأول ما ذكره السمهودي من معارضة عروة بن الزبير لعمر بن عبد العزيز وإنكاره لإدخال حجرة عائشة في المسجد فذكر عن عروة قال:"نازلت عمر بن عبد العزيز في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يجعل في المسجد أشد المنازلة فأبى"، وقال:"كتاب أمير المؤمنين لا بد من إنفاذه"، قلت:"فإن كان ولا بد فاجعلوا له جؤجؤا"أي و هو الموضع المزور تشبه المثلث خلف الحجرة [1] فالشاهد قوله"كتاب أمير المؤمنين لا بد من إنفاذه"أي الأمر من باب طاعة ولي الأمر، وليس استحسانا للأمر.
و عروة بن الزبير - رحمه الله - الذي لم يوافق على إدخال القبر النبوي في المسجد هو عالم المدينة أبو عبد الله القرشي الأسدي أحد الفقهاء السبعة، و هو ابن حَوَاري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عمته صفية، الزبير بن العوام.
و مما أثر عن عمر بن عبد العزيز في النهي عن اتخاذ القبور مساجد عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَا يَبْقَى أَوْ لَا يَجْتَمِعُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ دِينَانِ» [2] .
وَلَمَّا شَرَعُوا فِي الْهَدْمِ صَاحَ الْأَشْرَافُ وَوُجُوهُ النَّاسِ من بنى هاشم وغيرهم، وَتَبَاكَوْا مِثْلَ يَوْمِ مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم - و هذا فيه دليل أن من كان حاضرا في ذلك الوقت لم يعجبه الأمر و حزن على هدم الحجرات فهذا الأمر لم يوافق عليه لا العلماء و لا العوام لكن الأمر نفذ طاعة للخليفة ليس أكثر من ذلك.
(1) - خلاصة الوفا للسمهودي 2/ 129
(2) - رواه مالك في الموطأ رقم 3322،ورواه عبد الرزاق في مصنفه رقم 9987،والبيهقي في السنن الكبرى رقم 18750