و قال الدكتور عبد الكريم النملة - رحمه الله: (فبعض العلماء يطلق لفظ"مكروه"، ويريد به الحرام والمحظور، وقد روي هذا الإطلاق عن الإمام مالك، والشافعي، وأحمد - رحمهم اللَّه جميعًا - وهو غالب في عبارة المتقدمين، وذلك تورعًا منهم وحذرًا من الوقوع تحت طائلة النهي الوارد في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النحل: 116] ، فكرهوا - لذلك - إطلاق لفظ التحريم) [1] .
و هذه جملة من إطلاق المتقدمين للفظ الكراهة والمراد التحريم:
قال الترمذي - رحمه الله - في سننه: (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ إِتْيَانِ الحَائِضِ) ، وذكر فيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» . فهل يستدل الترمذي بالحديث على الكراهة التنزيهية أم الكرهة التحريمية؟
و قال أيضا: (بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الحَلِفِ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ) و ذكر عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ» [2] فهل يستدل الترمذي بالحديث على الكراهة التنزيهية أم الكرهة التحريمية؟
و قال ابن ماجة - رحمه الله - في سننه: (بَابُ كَرَاهِيَةِ الْخُلْعِ لِلْمَرْأَةِ) و ذكر عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» [3] فهل يستدل بالحديث على الكراهة التنزيهية أم الكرهة التحريمية؟
(1) - المهذب في علم أصول الفقه لعبد الكريم النملة 1/ 285
(2) - سنن الترمذي رقم 1543
(3) - سنن ابن ماجة رقم 2054