و نحن مأمورون بإتباع الكتاب و السنة، وليس في إتباعهما عسر على الناس و لا تضييق على الناس قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] فما أمر الله وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، ولا يأمر الله بما يثقل على النفس و يضيق عليها.
وليس في الشريعة حكم يخرج عن مقدرة الإنسان قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فسبحانه لا يكلفنا ما لا نطيق، ولا يحملنا ما لا طاقة لنا به و إذا حكم الله - سبحانه وتعالى - أو حكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - فحكمهما يسر لا عسر أما الحكم المخالف لحكمهما فليس بيسر بل فيه الهلكة و الفساد لمخالفة حكم رب العباد.
وقول بعض العلماء المتقدمين بأن اتخاذ القبور مساجد مكروه فالمقصود به كراهة التحريم لا كراهة التنزيه قال ابن تيمية - رحمه الله: (والكراهية في كلام السلف كثيرًا وغالبًا يراد بها التحريم) [1] .
وقال ابن كثير - رحمه الله: (وَالسَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهِيَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَثِيرًا) [2] .
وقال الشاطبي - رحمه الله:(وَأَمَّا كَلَامُ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ أَطْلَقُوا الْكَرَاهِيَةَ فِي الْأُمُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لَا يَعْنُونَ بِهَا كَرَاهِيَةَ التَّنْزِيهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا هَذَا اصْطِلَاحٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْقِبْلَتَيْنِ. فَيُطْلِقُونَ لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهِ فَقَطْ، وَيَخُصُّونَ كَرَاهِيَةَ التَّحْرِيمِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِمْ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ صَرِيحًا أَنْ يَقُولُوا: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ. وَيَتَحَامَوْنَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ خَوْفًا مِمَّا فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النحل: 116] ) [3]
(1) - مجموع الفتاوى لابن تيمية 32/ 241
(2) - تفسير ابن كثير 3/ 326
(3) - الاعتصام للشاطبي 2/ 537