الصفحة 8 من 95

فإذا أمر الشارع ببناء المساجد فهو يأمر ضمنا بالصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور فهو ينهى ضمنا عن الصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء أيضا) [1] .

ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام، فيما يذكر، كانوا قديمًا إذا مات فيهم نبى أو رجل صالح صوروا صورته وبنوا عليه مسجدًا ليأنسوا برؤية صورته، ويتعظوا لمصيره ويعبدوا الله عنده، فمضت على ذلك أزمانٌ، وجاء بعدهم خلف رأوا أفعالهم وعباداتهم عند تلك الصور ولم يفهموا أغراضهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، وألقى إليهم أنهم كانوا يعبدونها فعبدوها [2] .

و قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد - رحمه الله: (الذين بنوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين، ضل بهما كثير من الخلق، فأما فتنة القبور فلأنهم افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها تعظيما مبتدعا، فآل بهم إلى الشرك. وأما فتنة التماثيل- أي الصور- فإنهم لما افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها وبنوا عليها المساجد، وصوروا فيها تلك الصور، آل بهم الأمر إلى أن عبدوها، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين، كاللات والعزى وود وغيرها، وهذه العلة هي التي لأجلها نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت الكثير من الأمم في ذلك.

والفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام وأشد؛ فإن الشرك بقبر رجل يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدون عبادة لا يفعلونها في بيوت الله،

(1) - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للألباني ص 37

(2) - إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم للقاضي عياض 2/ 450

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت