وما إن وصل الجنود إلى مشارف الرحمانية حتى وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف على مرمى حجر من مياه النيل العذبة، ومع ذلك عاد شعور بأنهم غرباء في بلاد غريبة تكمن المخاطر في أكثر بقاعها سحرا. ويروي جندي المشاة فرانسوا فيجو-روسييون"Francois Vigo - Roussillon في مذكراته أن الجيش كله، بما في ذلك الخيل والحمير، ألقوا بأنفسهم في النهر الذي طال الاشتياق إليه. كم بدا لهم رائعا ومياهه المنعشة تبعث فيهم النشاط، غير أن التماسيح كانت لهم بالمرصاد فيترت أطراف البعض، وحملت البعض الآخر بعيدا. ويضيف"فيجوروسييون أن وحدته تقدمت حوالي فرسخ ثم أقامت الخيام على هيئة مربعات (لا شك؛ لمراقبة جند العدو فضلا عن تماسيح النيل ) ) .
يصف"مارمون"الرحمانية فيقول إنها قرية تتألف الدور التقليدية بها من أكواخ جدرانها بنيت بالطمي أو في بعض الأحيان من الطوب اللبن الذي جففته الشمس، وترتفع أربع أقدام، ويتناسب حجم الكوخ مع الأسرة التي تسكنه. ويتحرك الداخل إلى الكوخ وهو منحن حيث لا يسع الباب لمن يدخل وقامته معتدلة. وعادة ما ترتفع بناية حسنة الصنع فوق البيوت تقوم مقام العش لأعداد كبيرة من الحمام. وراي "مارمون خارج تلك الدور المتواضعة المصنوعة من الطمي والقش لالا مما حصد الفلاحون من العدس والفول والبصل. ويضيف"مارمون"أن بجوار أي قرية مصرية بستانا من نخيل - وهي أشجار تجلب دخلا كبيرا (تنتج النخلة الواحدة ما قيمته سبعة فرنكات من التمر في العام الواحد. وهي بالإضافة إلى ذلك على جانب كبير من الجمال تعلوها تيجان شامخة تبرز ما يميزها من سمو ورشاقة.(3) لم يفلح مارمون" حينئذ في فهم الأسباب التي دعت المصريين لبناء دورهم على تلك الصورة، ومن المعلوم أن المناخ الحار يدعو إلى إرساء القواعد تحت سطح الأرض بمسافة كافية تسمح بتبريد الدور من الداخل، في حين