الصفحة 62 من 536

ولم يكن مؤلفه متخصصا في الشئون العربية. أما إذا التفتنا إلى المطبوعات الفرنسية فإننا نجد أن عددا جد قليل من المؤلفين عالجوا تلك القضايا ذات الصلة بالحوار والمناظرة الثقافيين تفصيلا؛ بل إن بعضهم تجاهل بالفعل وجود المصريين في مصر! ويطرح مؤلف هذا الكتاب أسئلة منها كيف كون كل من الفرنسيين والمصريين رؤيته عن الآخر، وكيف ارتسمت صورة كل فريق في ذهن الأخر، والكتاب على ذلك لا يتصدى لما يعرف بصدام الحضارات، ولكنه يقوم على أساس أن حضارة البحر المتوسط، في سياقها الواسع، ظلت حضارة واحدة منذ زمن بعيد، وأن المصادمات تنتج عن الصراع على السلطة لا الصدام بين الحضارات في حين تتشكل تلك الحضارات في كثير من الأحيان وتتبدل من خلال الصراع والتفاعل، ويمضي مؤلف هذا الكتاب في روايته للأحداث إلى قبيل مسيرة أبونابرت في حملته على سوريا، إذ إن تلك الشهور الثمانية الأولى تحوي القضايا الرئيسية الجديرة بالاهتمام في سياق التفاعل العسكري والثقافي في مصر؛ كذلك فإن سوريا تحتل سياقا محليا مغايرا إلى حد بعيد.

ويبدو للقارئ أن عنوان الكتاب يحوي إشارتين لا تتفقان و الحقبة التاريخية التي يعالجها: ففي زمن الغزو الفرنسي لمصر لم يكن"بونابرت"قد ص ار بعد نابليون الأول"، كما كان معاصروه يتداولون فيما بينهم مسمى"الشرق"وليس الشرق الأوسط". ومع ذلك فالعنوان يدعم رؤية الكتاب من حيث قيامه على تلك المذكرات و التصورات التي قدم مؤلفه مصر من خلالها، ومنها ماسطره بونابرت نفسه بعد أن صار إمبراطورا. أما فيما يتصل بالعنوان الفرعي (غزو الشرق الأوسط) فإن مؤلف هذا الكتاب أثر أن يعفي قراءة المعاصرين من الخلط والاضطراب الذين قد يثيرهما عنوان يشير إلى غزو الشرق، مما ينتقص من الفائدة التي يجنيها ما رمي إليه من مطابقة للواقع. ولذلك فإن مصطلح"الشرق"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت