الصفحة 114 من 290

و محدودة بسبب حدة العشوائية الإجمالية. وبالتالي، فإن المنظومات الفوضوية مزيج من الاستمرارية والتغيير، ويمكن أن ينظر إلى البيئة الاستراتيجية على أنها منظومة فوضوية، يمثل فيها التاريخ الإنساني سلوكا غير دوري؛ ونلاحظ أن هناك نماذج كبيرة واضحة للعيان لنهوض الحضارات وسقوطها، ولكن ليس هناك حادثة واحدة تكررت بالضبط في يوم من الأيام.

أما نظرية التعقيد فهي تقدم أيضا رؤي معمقة في طبيعة البيئة الاستراتيجية، وغالبا ما يكون لها مقولات مشتركة أو موضع جدل مع نظرية الفوضى، فالبيئة الاستراتيجية في تعريفها منظومة معقدة، وهذه المنظومة تنشأ عندما تتداخل وتتفاعل مجموعة عناصر فيها بينها، بحيث يؤدي التغيير في بعض العناصر أو علاقاتها إلى تغييرات في أجزاء أخرى من المنظومة. وإذا أخذنا المنظومة بعامة، فهي تتضمن خصائص وأنماط سلوك مختلفة عن تلك الموجودة في المجموع الكلي للأجزاء ذاتها. والمنظومات بوجه عام تكون دينامية، والمنظومات الاجتماعية، أو الإنسانية، تتسم بالدينامية أكثر من سواها. وقد تكون المنظومات كبيرة جدا، أو صغيرة جدا، وفي بعض المنظومات المعقدة ترتبط المكونات الصغيرة والكبيرة بعلاقة تعاونية، ويحدث التعقيد في المنظومات الطبيعية وتلك التي من صنع الإنسان. ويتوقف مستوى التعقيد على سات المنظومات والبيئة وطبيعة التفاعلات فيما بينها، والأجزاء المختلفة من المنظومات المعقدة مرتبطة فيما بينها، ويؤثر الواحد منها في الآخر بطريقة تضافرية عبر آراء التغذية الراجعة الإيجابية والسلبية. وفي المنظومة المعقدة، تتفاعل العناصر العديدة والمستقلة باستمرار، وتنظم نفسها بطريقة عفوية، وتتكيف من أجل البقاء، في هياكل تزداد تطورة ودقة باطراد مع مرور الزمن، ولا يكون السبب والنتيجة متناسبين، وغالبا لا يمكن تفسير العلاقة بينهما أو الربط بين السبب والنتيجة. ومنظومة كهذه ليست قطعية بالكامل، وليست عشوائية بالكامل، بل تتضمن خواص من النمطين معا، وبذلك تخضع لنموذج نظرية الفوضى. ولذلك فإن المنظومات المعقدة ليست قابلة للتنبؤ بدقة، ومجموع تفاعلاتها ضمن المنظومة الكلية أكبر من تفاعلات أجزائها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت