المسيحية والإسلام حضارتان شقيقتان، بأكثر من مجال، فكلاهما تعنيان بتراث الوحي والنبوة اليهودي المشترك والفلسفة والعلم الإغريقيين، وغدت كلتيهما تقاليد الشرق الأوسط القديمة، جمع بينهما القتال في الشطر الأعظم من تاريخهما المشترك، لكنهما اكشفتا - حتى أثناء الحرب والقتال - عن قربهما من بعضهما البعض، والسمات المشتركة التي تربط بينهما، وتميزهما عن الحضارة الآسيوية الأبعد.
ولكن، كما أن ثمة أوجه شبه بين الاثنتين، فإن بينهما اختلافات عميقة، وهي أكثر من محض الاختلافات الواضحة في العقيدة والعبادة، وليس من اختلافات أعمق وأوضح من اختلاف هاتين الديانتين، واختلاف أدلتهما المرجعية على الموقف من العلاقة بين الحكومة والدين والمجتمع
أمر مؤسس المسيحية أتباعه بتسليم ما لقيصر لقيصر، وما الله الله" (إنجيل مثي - الإصحاح 22، الآية 2) ، وقد ترعرعت المسيحية، وتنامت. على مدى قرون - بوصفها دين المسحوقين، إلى أن آمن بها الإمبراطور قسطنطين، وصار هو نفسه مسيحية، وشرع بسلسلة من التغييرات، طالت الإمبراطورية الرومانية، وحولت حضارتها، وأسس دولته وإمبراطوريته. لكنه لم يستحدث كنيسة، ولم يكن بحاجة إلى ذلك. ليس للفصل بين الملك والكهنوت الذي كان أمرأ شديد الأهمية في تاريخ المسيحية الغربية ما يناظره في الإسلام"
أصبح المسلمون في حياة محمد (ص) مجتمع سياسية ودينية معا، والنبي رئيس الدولة بصفته هذه حكم أرضا وشعبا، أقام العدالة، وجمع النصوص، وقاد الجيوش، وشن الحروب، وأرسى الإسلام.
ليس لدى الرعيل الأول من المسلمين - الذين أصبحت أعمالهم تاريخ المسلمين المقدس - تاريخ طويل من التعرض للاضطهاد، ولا تقاليد في مقاومة سلطة الدولة العدائية بالعکس، كانت الدولة التي تحكمهم دولة الإسلام، وكان تأييد الله واضح لهم، بصورة نصر وسيطرة في هذه الدنيا?