الصفحة 204 من 298

هل تعني هذه التقييدات للهندسة الوراثية، إذن، أن أي تغيير ذي مغزي للطبيعة البشرية هو أمر مستبعد في المستقبل المنظور؟ هناك العديد من الأسباب التي تدعو لأن تحذر قبل اتخاذ مثل هذا الحكم قبل الأوان.

يتعلق أول هذه الأسباب بالسرعة غير العادية، وغير المتوقعة لدرجة كبيرة، للتطورات العلمية والتقنية في علوم الحياة؛ ففي أواخر عقد الثمانينيات من القرن العشرين كان هناك إجماع تام بين اختصاصيي الوراثيات على استحالة استنساخ حيوان ثديي من خلايا جسدية بالغة، وهي فكرة انهارت مع مولد النعجة دوللي عام 1997 ومنذ عهد قريب، وبالتحديد في منتصف تسعينيات القرن العشرين، كان اختصاصيو الوراثيات يتنبؤون بأن مشروع الجينوم البشري سينجز في غضون الفترة 2010. 42020 أما التاريخ الفعلي، والذي أكملت فيه العمل آلات السلسلة الحديثة والمؤتمنة بدرجة كبيرة، فكان تموز/ يوليو 2000. وليست هناك وسيلة للتنبؤ بما قد يظهر في السنوات القادمة من طرق مختصرة تعمل على تقليل تعقيد المهمة التي تنتظرنا. وعلى سبيل المثال، فإن الدماغ هو النمط البدائي لما يسمى نظام تكيفية معقدة، أي منظومة مؤلفة من عوامل عديدة (وهي في حالتنا هذه العصبونات، والخلايا الدماغية الأخرى) تتبع قواعد بسيطة نسبية لننتج، على مستوى المنظومة، سلوكة ناشئا بالغ التعقيد. يكاد يكون من المحتم أن تفشل أية محاولة لعمل نموذج للدماغ باستخدام طرق حسابية بالغة الصرامة، أبي تلك التي تحاول عمل نسخة من كل تلك المليارات من الارتباطات العصبونية، ومن الناحية الأخرى، فإن نموذج التكيف المعقد الذي يحاول عمل نمذجة التعقيد عند مستوى الجهاز كخاصية طارئة ستكون فرصته في النجاح أكبر بكثير، وقد يكون ذلك صحيحا أيضا بالنسبة إلى تفاعل الجينات.

لكن الدرجة العالية لتعقيد الوظائف العديدة للجينات، وكذلك التفاعلات بينها، لا تعني أن تتوقف كل مظاهر البشرية إلى أن تستوعبها تماما، فلم تتطور أية تقنية بهذا الأسلوب مطلقة، ويتم اختراع، وأختبار، والترخيص باستعمال أدوية جديدة طوال الوقت دون أن تعرف الشركات الصانعة بالضبط كيف تنتج هذه الأدوية آثارها. وفي مجال علم الأدوية كثيرا ما تمر الآثار الجانبية لدواء ما دون أن تلاحظ لمدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت