ثانية؛ كثيرا ما يطلعنا الدين - عن طريق الحدس - على حقائق أخلاقية يتقاسمها من لا يؤمنون بالدين الذين لا يفهمون أن آراءهم العلمانية حول القضايا الأخلاقية هي مسألة متعلقة بالتقوى، مثلها مثل عقائد المؤمنين بالدين. وعلى سبيل المثال، كثير من علماء الطبيعة المتزمتين لديهم فهم مادي عقلاني للعالم، لكنهم - فيما يتعلق برؤاهم السياسية والأخلاقية - ملتزمون بشدة بضرب من المساواة الليبرالية لا تختلف ابدا عن النظرة المسيحية للكرامة الشاملة للبشرية. وكما سنرى لاحقا، فليس من الواضح إن كانت المساواة في احترام جميع البشر - وهي ما تتطلبه المساوائية الليبرالية تنشأ منطقية من وعي علمي بالعالم، أم أنها تمثل أحد أركان الإيمان.
ثالثا: إن الاعتقاد بأن الدين سوف يفسح المجال بالضرورة للعقلانية العلمية مع تقدم التعليم والتحديث على وجه العموم اعتقاد ساذج بصورة استثنائية، ومنفصل عن الواقع التجريبي، والحق أنه قبل جلين اعتقد كثير من علماء الاجتماع أن عملية التحديث تنطوي بالضرورة على العلمنة. لكن هذا المثال لم يحدث إلا في أوربا الغربية؛ فلم تشهد أمريكا الشمالية أو آسيا تدهور حتمية في التدين مع ارتفاع مستويات التعليم أو الوعي العلمي. وفي بعض الحالات، حل الإيمان بأيديولوجيات علمانية مثل الاشتراكية العلمية"- لا تزيد عقلانية على الدين - محل الاعتقاد بالدين التقليدي؟ وفي حالات أخرى كان هناك إحياء قوي للدين التقليدي ذاته. وقد اتضح أن قدرة المجتمعات الحديثة على تحرير"أنفسها من الروايات الرسمية لماهيتها وللطريق الذي تمضي فيه هي أكثر صعوبة بكثير مما يفترض كثير من العلماء. كما أنه من غير الواضح إن كانت هذه المجتمعات ستصبح أفضل حالا بالضرورة دون مثل هذه الروايات. وإذا أخذنا في الاعتبار حقيقة أنه ليس من المرجح أن يختفي الناس ذوو الرؤى الدينية القوية من المشهد السياسي في الديمقراطيات الحديثة قريبا، فإنه يتعين على غير المتدينين أن يقبلوا بما تفرضه التعددية الديمقراطية، وأن يظهروا تسامح أكبر مع الأفكار الدينية.
من ناحية أخرى، فكثير من المتدينين المحافظين يفسدون قضيتهم الخاصة حينما يسمحون لمسالة الإجهاض بأن تطغى على جميع الاعتبارات الأخرى في مجال