وبعد بيان هذه الآثار الاقتصادية التي خلفها النظام التمويلي الوضعي -وما زالت آثاره مستمرة بالظهور- والتي تجلت في زيادة المديونية على الدول والشعوب مع ما تكبدته من خسائر مالية ضخمة في القطاعات المالية والعقارية نتيجة تعاظم الدين على حساب الثروة الحقيقية، يمكن بيان التقدير الإسلامي للنظام التمويلي المعاصر ورؤية الاقتصاد الإسلامي نحو إيجاد نظام تمويلي قادر على تشكيل بيئة اقتصادية مستقرة، وذلك في المطلب الآتي:
يظهر أثر التمويل الربوي واضحًا في إحداث هذه الأزمات، وما ينتج عنه من تورم في الاقتصاد من خلال ما تصنعه آلته التمويلية الربوية والتي يتسارع العالم اليوم -بعد أن أدرك خطر سعر الفائدة على اقتصاده- من خلال بنوكه المركزية ومؤسساته المالية للوصول إلى معدل فائدة مقداره صفر كعلاج للخروج من الأزمة الراهنة، وقد نادى بذلك عدد كبير من اقتصادييهم حتى من قبل وقوع هذه الأزمة.
وليس الباحث هنا بصدد الحديث عن حرمة الربا وآثاره المدمرة على الاقتصاد بشكل عام، والتي هي وعد من الله تعالى لمن يتعامل به لقوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ" [1] ، وإن كان سيشير إلى ذلك سريعًا في بيان بعض القواعد والضوابط التي يقوم عليها النظام التمويلي الإسلامي؛ وذلك لأن ما كُتب في هذا الشأن يكفي للتسليم به واعتباره مرتكزًا ننطلق منه في تقديرنا الإسلامي، ولكن يود الإشارة إلى أن استبعاد الربا من ساحة الاقتصاد وتنمية الاقتصاد الحقيقي المحصن من الأزمات من خلال التقاء العرض والطلب في سوق تدفع نحو العمل والإنتاج، لا بدّ له من استبعاد استخدام القروض الربوية كوسيلة لتمويل الأعمال، ومنع المتاجرة بها، ونجد ذلك واضحًا في النظام التمويلي الإسلامى الذي يقوم على مجموعة من القواعد والضوابط التى تقيه من الأزمات المالية المختلفة التي يتعرض لها الاقتصاد باستمرار، ويظهر ذلك من خلال استعراض النقاط الآتية:"
(1) سورة البقرة، آية: (279) .