ان القارئ للتوراة قد لا يجد فيها ذكرا للبعث وللحياة الأخروية. والتوراة تخلومن الإشارة إليه تماما مع أن أمما كثيرة تأثر بها اليهود في كتابة التوراة كالمصرين القدماء والبابليين وغيرهم من الذين نقل اليهود عنهم في توراتهم المحرفة، ومع ذلك الإنكار يجد القارئ ذكرا لليوم الآخر في التوراة. أما الذين أشاروا إليه إشارات طفيفة بعد التوراة من الأحبار أو علماء اليهود، فقد كان ذلك في عصور متأخرة بعد ظهور الإسلام، وبعد أن رأوه مفصلا في القرآن الكريم، ومع هذا فإن الإشارات القليلة عن البعث عند اليهود إنما تعني عندهم البعث السياسي.
وقد استدل باحث عن البعث عندهم بفقرة تقول: (تحيا أمواتك، تقوم الجثث، استيقظوا ترنموا يا سكان التراب، لأن ظلك ظل أعشاب، والأرض تسقط الأخيلة) [1] .رأى هذا الباحث أن في هذا إشارة إلى البعث، لأنه شبه اليهود بعشب قد يبس، ثم نزل عليه المطر، فانتعش واستيقظ وبعث من الموت. [2]
ومع أن الباحث كان جادا في استنباطه، فإن في استنباطه تعسفا كبيرا، فالإنسان في العادة يرى في النبات إحياء الأرض، لأن الأرض بلا ماء وزرع كالأموات، ولذلك فلا يدل ذلك على النشور، استعدادا للحساب ودخول الجنة أو النار، كما ورد في القرآن الكريم، ومن تبسيط لمشاهد اليوم الآخر في القرآن الكريم.
وإن التوراة التي بين أيديهم لا تكاد تجد فيها ذكرا للبعث والنشور والحساب عند اليهود، هذا وإن قيل ادعاء: إن الفريسيين من طوائفهم يؤمنون بالبعث، وأنهم يزعمون أنهم يبعثون ليشركوا المسيح المنتظر في ملكه، إذ يكون ملكا لا نبيا، يدخل الناس في ديانة موسى - عليه السلام - بزعمهم، لكنهم لايوضحون كنه البعث الذي يؤمنون به، ولا الحياة الآخرة، ولا الثواب ولا العقاب.
أما الصديقيون فلا يعترفون إلا بالعهد القديم فقط من كتب اليهود، ومع هذا لا يجعلون له قداسة مطلقة، ومن ثم فهم مدفوعون بعقيدة خاصة بهم بعدم الإيمان بالبعث، ولا باليوم الآخر، ويعتقدون أن الثواب والعقاب يحصلان في الدنيا. وعليه فمن يعمل في الدنيا خيرا -
(1) -سفر اشعيا: غلإصحاح 26: 19.
(2) -اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام د فرح الله عبد الباري أبو عطا. ص 447.