الخاصية الرابعة: أنها حضارة متوازنة؛ وازنت بين الجانب الروحي وبين الجانب المادي، في اعتدالٍ هو طابعٌ من طوابع الفكر الإسلامي، وميزةٌ من مزايا الحضارة الإسلامية في كل العصور، فلا تفريط ولا إفراط، ولا غلو بغير وجه حق، ولا اندفاع في تهو ر، وإنما هو الاعتدال الذي هو من صميم العدالة التي تقام في ظله موازين القسط.
الخاصية الخامسة: أنها حضارة باقية بقاء الحياة على وجه الأرض، تستمد بقاءها من الإسلام الذي قامت على أساس مبادئه، وقد تكفل الله تعالى بحفظ الدين الحنيف. وهي بذلك حضارةٌ ذات خصوصيات متفردة، فالحضارة الإسلامية لا تشيخ لتنقرض، لأنها ليست حضارة قومية، ولا هي بعنصرية، ولا هي ضد الفطرة الإنسانية، والإسلام لا يتمثّل في المسلمين في كل الأحوال، لأن المسلمين قد يضعفون ويقّل نفوذهم ويتراجع تأثيرهم، ولكن الإسلام لا يضعف ولا يقلّ نفوذه ولا يتراجع تأثيره. وهي بذلك حضارة دائمة الإشعاع تتعاقب أطوارها وتَتَجدد دوراتها.
وهذه الخصائص الخمس تكتسب طابع الديمومة والاستمرار، من مبادئ الدين الحنيف، لأنها نابعةٌ منها، ولصيقةٌ بها، وهي بذلك بمثابة الجوهر النفيس الذي لا يتبدل ولا يتغيّر، وإن تبدلت الأحوال، وتَجاذبت المجتمعات الإسلامية نوازعُ القوة والضعف، والسطوع والأفول، والتماسك والانهيار
كما تمتاز الحضارة الإسلامية من خلال خطاب القرآن الكريم بما أضافه سيد قطب رحمه الله [1] فذكر العديد من النقاط التي يمكن أن نوجزها فما يلي:
الربانية: فهو تصور اعتقادي موحى به من الله - سبحانه - ومحصور في هذا المصدر لا يستمد من غيره. . وذلك تمييزًا من التصورات الفلسفية التي ينشئها الفكر البشري حول الحقيقة الإلهية.
الثّبات: هناك"ثبات"في"مقومات"هذا التصور الأساسية، و"قيمه"الذاتية. فهي لا تتغير ولا تتطور، حينما تتغير"ظواهر"الحياة الواقعية، و"أشكال"الأوضاع العملية. . فهذا التغير في ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع، يظل محكومًا بالمقومات والقيم الثابتة لهذا التصور. . ولا
(1) - التصوير الفني في القرآن ص 65