هذا الركن تعد القراءة المتواترة المرآة الصادقة التي تعكس الواقع اللغوي الذي كان سائدا في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، وتعتبر آصل المصادر جميعا في معرفة لهجات العرب ودراسة ظواهرها اللغوية؛ لأن منهج القراء في نقل القراءات يختلف عن كل المناهج والطرق التي نقلت بها مختلف العلوم كالحديث والشعر [1] .
ولكن هل تعد تلك القراءات المتواترة المصدر الوحيد لمعرفة لغات العرب أو لهجاتهم، أم أن القراءات الشاذة تشاركها في ذلك؟.
والحق أنه لا يمكن التعويل على القراءات المتواترة فحسب في التعرف إلى مختلف جوانب لغة العرب، لأن ثمة كمَّا وافرا من القراءات الشاذة التي نقلت آحادا أو خالفت الرسم توافق العربية ولا ريب، وتتجسد فيها كل مستويات الدرس اللغوي.
وقد سعى عدد من علماء القراءات واللغة إلى بيان ضرورة أن تتبوأ القراءة الشاذة مكانها في مجال الاحتجاج، قال ابن جني:"وضربا سماه أهل زماننا شاذا، أي خارجًا عن قراءة القراء السبعة، إلا أنه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالروايات من أمامه وورائه، ولعله أو كثيرًا منه مساوٍ في الفصاحة للمجتمع عليه، نعم. وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنف بغيره فصاحته، وترسو"
(1) اللهجات العربية في القراءات القرآنية، الراجحي:88، بتصرف يسير.