المبحث الأول
الأسس الفقهية لإدارة الأوقاف
لأن الإسلام دين عملي جاء لتنظيم وقائع الحياة بكل جوانبها، فإن جميع تشريعاته اشتملت على بيان عناصر التطبيق ومنها الجانب الإداري وهذا ما يظهر في النظم المالية الإسلامية مثل الزكاة التي نص القرآن الكريم في مصارفها على سهم العاملين عليها، وقول الله سبحانه وتعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - باعتباره رأس الدولة"خذ من أموالهم صدقة"، وكذا في نظام الوقف كان موضوع النظارة على الوقف من الموضوعات الرئيسية التي تناولها الفقهاء عند بيان أحكام الوقف، وهذا ما يدل على أن إدارة الوقف من العناصر الضرورية لقيام هذا النظام ولا يقتصر الأمر على التناول المباشر لإدارة الوقف - في موضوع الولاية والنظارة - وإنما يوجد تأثير غير مباشر لباقي الأحكام الفقهية للوقف على إدارته، وهذا ما سنحاول بيانه في هذا المبحث على الوجه التالى:
الأساس الأول: ويستفاد من تعريف الوقف وذلك في الجزء من التعريف المتفق عليه بين الفقهاء وهو"حبس الأصل وتسبيل الثمرة"والذي يظهر منه أمرين هما:
الأمر الأول:"حبس الأصل"أى بقاؤه قائما وعدم التصرف فيه أو تصفيته، وهذا يدل على أن مؤسسة الوقف مؤسسة طويلة الأجل بحكم الشرع مما يتطلب معه الأمر عند إدارتها العمل على بقائها ببقاء الأعيان الموقوفة، أى أن الاستمرارية فيها من خصائصها وهذا يقتضى المحافظة على الطاقة الإنتاجية لها عن طريق الإصلاح والعمارة، واعتبار ذلك من أولى مهام الإدارة، وهذا ما يؤكده الفقهاء كما جاء في قول لأحدهما"وأول ما يفعله القيم في غلة الوقف البداءة بعمارته" [1] وجاء أيضا"عمارة الأعيان الموقوفة مقدمة على الصرف على المستحقين" [2] بل إن الفقهاء القدامى كانوا أبعد نظرا وأقدم سبقا من المحاسبين المعاصرين في القول بتكوين مخصص للصيانة والعمارة أى حجز مبلغ سنوى من الإيرادات لمواجهة ما قد يحتاج إليه في المستقبل للعمارة والصيانة حيث جاء «الواقف إذا شرط تقديم العمارة ثم الفاضل عنها للمستحقين
(1) الطرابلسى"الإسعاف في أحكام الأوقاف"دار الرائد العربي ببيروت 1401 هـ - 1981 م، صـ 60.
(2) حاشية ابن عابدين - مطبعة الحلبي بالقاهرة 1386 هـ - 4/ 367.