ثم تعرض السورة لحقيقة غيبية تتمثل في تسبيح الرعد بحمد الله، وتسبيح الملائكة خشية لجلالة، وخيفة من سلطانه، وجميع من في السماوات والأرض يسجد لله طوعا وكرها، حتى ظلالهم فإنها تسجد لله بالغدو والآصال، أي مع دوران الأرض حول محورها أمام الشمس، فيمد الظل ويقبض في حركة كأنها الركوع والسجود.
وتنعي الآيات علي الكفار استهزاءهم بالرسل السابقين علي بعثة المصطفي (صلى الله عليه وسلم) ، وفي الإشارة إلى ذلك ضرب من التثبيت لرسول الله، والتأكيد له علي أن الابتلاء هو طريق النبوات، وطريق أصحاب الرسالات من بدء الخلق إلى قيام الدعوة المحمدية و إلى أن يرث الله (تعالى) الأرض ومن عليها ... !!! وتشير السورة بالقرب من نهايتها إلى فرح الصالحين من أهل الكتاب بمقدم الرسول الخاتم، في الوقت الذي حاول فيه الكفار والمشركون التشكيك في حقيقة رسالته وتؤكد إنزال القرآن حكما عربيا مبينا، وتدعو المصطفي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الحذر من ضغوط الكافرين من أجل إتباع أهوائهم. وتؤكد أنه ما كان لرسول من الرسل أن يأتي بآية إلا بإذن الله.
ثم تأتي الآية الكريمة التي نحن بصددها ناطقة بحقيقة كونية يقول عنها ربنا (تبارك وتعالى) : {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ (41) } [1] .
ثم تختتم سورة الرعد بالحديث عن مكر الأمم السابقة الذي لم يضر المؤمنين شيئا لأن لله (تعالى) المكر جميعا، وأن له (سبحانه وتعالى) عقبي الدار، كما تتحدث عن إنكار الكافرين لبعثة المصطفي (صلى الله عليه وسلم) ، وتأتي الآيات، مؤكدة أن الله تعالى يشهد له بالنبوة والرسالة وكذلك كل من عنده علم من رسالات الله السابقة لوجود ذكره ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الآيات التي لم تحرف من بقايا كتبهم.
وهنا يبرز هذا التساؤل: ما هو معني إنقاص الأرض من أطرافها في هاتين الآيتين الكريمتين؟ وما هو مغزى دلالتها العلمية والمعنوية؟ وقبل الخوض في ذلك لابد من استعراض سريع لشروح المفسرين.
الشروح المفسرة لمعني إنقاص الأرض من أطرافها
(1) سورة الرعد، الآية 41.