• المنهج الأصولي في الاستنباط والتعليل: ذلك المنهج الذي يعد إبداعا إسلاميا يجمع بين مقتضيات الشرع والوحي، ومقتضيات العقل، ولم يقتصر أثره على مجال المعرفة الفقهية، بل تجاوزه ليشمل مجالات معرفية أخرى، فكان بذلك من أشرف العلوم الإسلامية، قال الإمام الغزالي: < وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب في الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد > [1] .
ذلك أن طرق الفقه واستنباط الأحكام فيما يعرض من قضايا و إشكاليات في حياة المسلمين ـ من خلال أمهات كتب أصول الفقه الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر كذلك ـ لا تخرج عن ثلاثة:
1 / الوحي: بشقيه المتلو المعجز وهو القرآن، ومثله محددا في السنة.
2 / العقل: كمفسر لنصوص الوحي، ووسيلة للبحث في سبل تطبيقها، من خلال ربط الجزئيات بالكليات، وترتيب النتائج على المقدمات، و بالتالي استنباط أحكام لما لم يرد فيه نص من الشارع من مستجدات، والتماس العلل لما لم يعلل ... إلخ.
3 / الاجتهادات: وهي الأصول التي تعارف عليها علماء الأمة، واستحسنوها، وأخذوا بها في معالجتهم لمختلف القضايا التي عالجوها، طبعا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وتحديدا فيما لم يرد فيهما نص على حكمه، وذلك عبر التاريخ الطويل والمشرق لعلم أصول الفقه، نذكر منها على سبيل المثال: الإجماع، والقياس، واستصحاب الحال، والمصالح المرسلة، وكون الأصل في المنافع الإباحة، وفي المضار المنع، والاستحسان، وقول الصحابي متى ذاع بين الصحابة أنفسهم، ولم تتم معارضته من أحدهم، والأخذ بالأخف، والعرف بما عليه عمل أهل المدينة، وشرع من قبلنا، وسد الذرائع وغير ذلك من الأصول التي اعتمدت، بغض النظر عن كل مذهبية أو تعصب، إذ الهدف في نهاية المطاف كان بالنسبة لكل مجتهدي الأمة عبر العصور والأزمان، هو الوصول إلى معرفة حكم الله تعالى، و تطبيقه تطبيقا سليما يرضي الله عز وجل، وفق ما شرعه لنا قدر طاقتهم، في ضوء المقاصد العامة لشرعه السامي.
اعتمادا على كل ذلك، نجزم بأن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة قد شكلا معا، وبشكل متكامل ورزين، معينا ومصدرا للمعرفة الغزيرة التي لن ينضب معينها، ولن تزيدها الأيام والأحقاب إلا سطوعا وظهورا، وكلما تقدم العلم البشري بخطواته القاصرة، كلما اكتشف المزيد من أسرارهما المكنونة وكنوزهما المحجوبة، فما النقص إلا من الإنسان نفسه، وما الكمال إلا لله تعالى.
لهذه الاعتبارات وغيرها مما ليس هذا البحث مجالا مناسبا لبسط الكلام فيه، تمسك المسلمون عبر العصور والأزمان بكتاب الله تعالى لاعتبارات وجدانية، و باعتباره مصدرا للعلم والمعرفة والهداية أيضا، لذلك ضمنوه مناهجهم التعليمية في مختلف الأسلاك كمكون أساسي من مكوناتها، حيث نجد الرواد الأوائل من المنظرين التربويين قد جعلوا هذين المصدرين مادة إلزامية أساسية ضمن المناهج التعليمية، وذلك راجع لكون المنهاج عندهم جميعا، يقوم على الأسس والخلفيات العامة التالية:
-الخلفية العقدية الدينية: وهي خلفية متميزة ومستقلة عن الفلسفات التربوية الأخرى، حيث تستمد أسسها من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وما أنتجه الفكر الإسلامي بالرجوع إلى
(1) / محمد بن محمد الغزالي أبو حامد. المستصفى في علم الأصول. دار الكتب العلمية - بيروت. الطبعة الأولى، 1413. تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي. ج 1 ص:4.