الصفحة 2 من 31

مما لا جدال فيه أن كلا من النصين الشريفين، القرآني و الحديثي، كانا وراء مد الفكر العربي بالأسس المعرفية الصحيحة، والمضامين القويمة، والمبادئ السليمة للمنهج العلمي في كل الميادين، الدينية و الدنيوية، الشيء الذي فسح المجال أمام هذا الفكر لينتج كما هائلا ورائعا من النصوص المختلفة المضامين، والمتعددة الأبعاد عمقا ووجاهة، كما شكلا معا مرجعا ثابتا، ومعينا صافيا لكل مجتهدي الأمة يقتبسون منه على الدوام، ويستنيرون به في ظلمات وعوائق دروب المعرفة المختلفة، ويذكي لديهم جذوة النبوغ والإبداع والتجديد في كل الميادين، مما ساعد على ظهور وتأسيس جملة من المناهج الإسلامية الأصيلة، أسهمت على نطاق واسع في إثراء وتقويم الفكر العربي وتصحيح الفكر الإنساني بعد اتصاله به فيما بعد.

لقد عمل علماء الأمة بجد بعد تشبعهم و استلهامهم لروح ومقاصد القرآن الكريم والحديث الشريف، على استثمار مختلف الحقائق والمبادئ المتعلقة بمنهج النظر والبحث والاستدلال التي أسسا لها وقدماها للخلق بمختلف طرق العرض والبيان، تصريحا أو تلميحا أو تمثيلا، أو تفصيلا لخطوطها العريضة، أو وضع قواعد وأصول محددة، الأمر الذي أحدث انقلابا في العديد من العلوم والأفكار والنظم التي كانت سائدة إبان ما بعد عصر النبوة مباشرة فيما يعرف بعصر التدوين، و كان تأثيرها الإيجابي على مسار العلوم بصفة عامة جليا فيما بعد، مما يزكي بلا جدال قدسية هذين النصين الكريمين، ووحدة مصدرهما الرباني، وفي الآن نفسه، يؤشر كل ذلك وغيره مما لم يحن بعد زمن الكشف عنه، على رسوخهما ودوام دورهما كمصدرين عظيمين في بناء الفكر والحضارة العربية الإسلامية، والإنسانية على السواء، مما يعد دافعا إضافيا إلى الإيمان، وسببا لتعزيزه لدى المؤمنين عامة، أو ليست الغاية من المعرفة مطلقا هي معرفة الله تعالى من خلال آياته في الآفاق والأنفس؟ مصداقا لقوله تعالى في سورة فاطر: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُور) ٌ [1] وقوله عز من قائل (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) [2] .

وقد تمخضت تلك الحركة الفكرية والعلمية للرعيل الأول من علماء الأمة الإسلامية عن العديد من المناهج العلمية المتميزة التي أفرزها البحث المعمق في هذين النصين الشريفين، والتي كان لها الأثر البارز في تأسيس العديد من العلوم النظرية والتطبيقية، وكذا العلوم البحثة، يمكن أن نذكر تمثيلا لها لا حصرا:

• منهج الجرح والتعديل: وهو المنهج الذي خرج من صلب علم الحديث النبوي الشريف، والذي وضع كضابط للعلوم المعتمدة على الرواية، ومنها علم التاريخ، وهو منهج إسلامي قح، لم تعرفه حضارة من الحضارات السابقة عن الإسلام.

• منهج الاستقراء: وقد نبه عليه القرآن الكريم، وعلى أهميته في غير ما آية، كأسلوب علمي لاستنباط الحقائق، وقد كان الفضل في وضع أسسه المستندة على الكتاب والسنة لعلماء الأمة، كما كان له أثره البارز في تأسيس الكثير من العلوم الأخرى.

• المنهج التجريبي: وهو منهج له أصول في القرآن والحديث، ولقد كان لمنهج التجريب أثره البين في تأسيس العلوم التجريبية في الحضارة العربية الإسلامية، قبل أن تتبناه الحضارات الأخرى ومن بينها الحضارة الغربية كمنهج أساسي من مناهج البحث العلمي.

(1) / آية: 28

(2) / سورة محمد. آية: 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت