الصفحة 5 من 31

اهتم المغاربة بالقرآن الكريم اهتماما كبيرا، رسما وتعلما وتعليما وعرضا ودراسة في جماعات وفرادى منذ وصل أرضهم مع طلائع الفتح الإسلامي، مريدين بذلك وجه الله ذي الجلال والإكرام، وجعلوه بناء على ذلك أساسا من أسس بناء مناهجهم التعليمية في مختلف الأسلاك التعليمية النظامية وغير النظامية، إلى جانب عنايتهم بتحفيظه وتجويده للناشئة من خلال إنشاء جمعيات خاصة بتحقيق هذا الغرض في جميع ربوع المملكة، تحدوهم في ذلك الرغبة في نيل الثواب الجزيل والخير العميم، نبراسهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه البخاري في باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه قال:< حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) [1] .

ومن مظاهر تلكم العناية الكريمة للمغاربة بكتاب الله تعالى، نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

أ - البعثات: ابتداءا من البعثة التي تركها عقبة بن نافع الفهري خلال فتحه للمغرب ـ 62 هـ - وذلك أنه لما أراد العودة إلى المشرق العربي عين جماعة من أصحابه يعلمون الناس القرآن ويفقهونهم في الدين. ثم بعد ذلك بعثة موسى بن نصير الفاتح الثاني للمغرب، وبعثة عمر بن عبد العزيز الذي ارسل معلمين للمغرب لتعليم الناس أمور دينهم.

ب الكتاتيب: يعتبر الكتاب أول معهد مستقل بمهمة تعليم القرآن الكريم وتحفيظه وقد اعتنى المغاربة بهذه الكتاتيب عناية فائقة، بحيث لا يمكن أن توجد قرية أو مدينة إلا وتجد بها كتابا أو أكثر بجانب كل مسجد، وأكثر من هذا فقد أوقفوا لها الأوقاف الوفيرة مما يضمن بقاءها وحياتها.

ج الزوايا: لقد قامت الزوايا بالإضافة إلى ذكر الله تعالى بتخريج أفواج عديدية من حملة كتاب الله عز وجل بل ومفتين وقضاة ...

د الرتبة: وهو نظام تعليمي يتحمل فيه السكان (أهل القرية) تكاليف إقامة الطلبة القادمين من مختلف المناطق قصد حفظ القرآن الكريم، بحيث إن الأهالي يوفرون لهؤلاء الطلبة الوجبات الغذائية اليومية بانتظام، ويكرمونهم، وينزلونهم منزلة أبنائهم إلى أن ينعم الله عليهم بحفظ كتابه العزيز واستظهاره.

هـ- قراءة الحزب: فسنة قراءة الحزب التي سنها المغاربة مرتين كل يوم في جميع المساجد والزوايا قد ساعدت كثيرا على نشر القرآن الكريم حفظا وترتيلا خصوصا بالنسبة للذين لم يتمكنوا من حفظه في الصغر [2] .

وقد عرف تعليم القرآن الكريم بالمغرب تطورات عدة، فباستقراء تاريخ المغرب منذ الفتح الإسلامي إلى اليوم، نجد أنه حتى في أحلك الظروف، كانت هناك مناهج على شكل كتب مدرسية / دراسية في المواد الإسلامية بجامعة القرويين، يسير عليها الشيوخ، ويأخذون بها طلابهم حسب مستوياتهم وأعمارهم وتحصيلهم، وذلك إلى غاية فترة ما قبل الحماية وما بعد ذلك بقليل، لكننا نجد خلال هذه الفترة أن القرآن الكريم كان هو الأساس الأول الذي يلج على أساسه الطلبة مختلف الأسلاك التعليمية والتخصصات بهذه الجامعة العتيقة، إذ كان حفظه شرطا رئيسا للقبول بجامعة القرويين كجامعة متخصصة في العلوم الإسلامية، بغض النظر عن سن المرشحين الذين كانوا يخضعون منذ حداثة سنهم لنظام الكتاتيب القرآنية، أو ما كان يعرف ب"المسيد"، وهو مؤسسة تهتم بتعليمهم مبادئ القراءة والكتابة إلى جانب تحفيظهم كتاب الله تعالى، لها طقوسها الخاصة في التخرج، الذي يعني تمكن المتعلم من حفظ الكتاب العزيز كما هو معروف بكل أصقاع المملكة.

(1) / كتاب فضائل القرآن. حديث رقم 4639.

(2) / عبد السلام أحمد الكنوني ـ المدرسة القرآنية بالمغرب ص: 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت