ومع دخول الاستعمار الذي جلب معه نظمه التعليمية الحديثة، بدأ دور الكتاتيب القرآنية في الانحسار، الأمر الذي حدا بالوطنيين إلى إنشاء مدارس حرة حديثة، أساس الدراسة فيها يقوم على العناية بالتراث الإسلامي المؤسس على الكتاب والسنة، في مقابل النظام التربوي الوافد الذي فرضه الاستعمار، مما أدى إلى خلق نوع من التوازن التربوي بين أبناء هذه المملكة، والحفاظ بالتالي على مقومات وجودها واستمراريتها، إلى أن تم إحداث النظام التعليمي العمومي الحالي بعد استقلال المغرب، وإلى جانبه ما سمي آنذاك بالتعليم الأصيل، وهو نظام تشكل المواد الإسلامية عموده الفقري بالدرجة الأولى، إلى جانب تدريسه لبعض المواد العلمية الحديثة كالرياضيات والعلوم الطبيعية والفيزياء، وكذا اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وذلك بهدف توسيع دائرة معارف المنتسبين إليه، ومد جسور تواصلهم مع غيرهم، ولا يزال العمل بهذا النظام ساري المفعول إلى اليوم، وهو يعرف تحسنا على مستوى المناهج والبرامج بما يساير سنة التحول والتغيير الضروريين في الحياة.
إلى جانب هذا النظام التعليمي الأصيل، أخذت المنظومة التربوية التعليمية المغربية الحديثة على عاتقها تدريس مادة التربية الإسلامية ضمن مكوناتها الأساسية في جميع الأسلاك التعليمية، وهي مادة تكرس البعد الوجداني والهوية الإسلامية للمغاربة كجزء من الأمة العربية الإسلامية، تجعل من تعليم القرآن الكريم، والقيم الإسلامية أحد أهم مكوناتها الأساسية، بغلاف زمني أسبوعي لا يزال ضعيفا ـ في اعتقادنا ـ ومحتويات تعليمية تراعي المستوى العمري لتلاميذ كل سلك، وذلك بعد القرار الشجاع للملك المغفور له الحسن الثاني بمراجعة وإصلاح منظومة التربية والتكوين المغربية، ذلك الإصلاح الذي نص صراحة على ضرورة اعتماد المرجعية العقدية الإسلامية وقيمها السمحة في عملية الإصلاح التي ستعرف تغطيتها لجميع أسلاك التعليم بالمغرب نهايتها مع مطلع الموسم الدراسي 2007 - 2008.
وما دمنا بصدد الحديث عن إصلاح منظومة التربية والتكوين المغربية [1] ، تجدر الإشارة إلى أن منهاج سلك التعليم الثانوي الإعدادي فيما يرجع إلى القرآن الكريم، قد عرف تقلصا ملحوظا بالمقارنة مع المنهاج السابق، فبعد أن كان المتعلمون مطالبون بحفظ حزب كامل في كل مستوى من مستوياته الثلاث (الأحزاب 51 - 52 - 53) ، وذلك تتميما لما بدأه المتعلم في السلك الابتدائي، حيث كان الحفظ مطلوبا لذاته في ذلك النظام، بغض النظر عن علاقته بباقي المكونات والأنشطة الأخرى من عبادات وآداب إسلامية وغيرها، فقد أصبح الأمر في المنهاج الجديد المعتمد حاليا مقتصرا على ثلاث سور فقط، وهي سورة لقمان في السنة الأولى، وسورة الحجرات في السنة الثانية، وسورة الفتح في السنة الثالثة، لكن مع مراعاة العلاقات الممكنة بين محتوياتها وباقي الوحدات المقررة، تحقيقا لمبدأ < التنسيق والتكامل في اختيار مضامين المناهج التربوية، تجاوزا لسلبيات التراكم الكمي للمضامين المعرفية، وإحداث التوازن بين المعرفة في حد ذاتها والمعرفة الوظيفية.> [2] وتدريب المتعلم على ذلك خلال مساره الدراسي بسلك الثانوي الإعدادي، في ضوء إتقانه لرصد العلاقات بين المضامين القرآنية وباقي المعارف ومجالات الحياة.
فما هي مكانة مادة التربية الإسلامية ضمن إصلاح منظومة التربية والتكوين بالمغرب؟
وما هي المكانة التي يتربع عليها القرآن الكريم كمادة تعليمية ضمن مكونات هذه المادة في جميع أسلاك التعليم؟.
وهل للقرآن الكريم كمادة تعليمية حضور خارج المدرسة المغربية في برامج التربية غير النظامية؟.
(1) / للتذكير فقد شكلت أول لجنة ملكية لإصلاح منظومة التعليمية بالمغرب سنة 1957، تمخضت عنها المبادئ الأربعة الشهيرة، التعميم ـ التوحيد ـ المغربة ـ التعريب.
(2) / المملكة المغربية. وزارة التربية الوطنية ... مديرية المناهج."البرامج والتوجيهات التربوية الخاصة بتدريس مادة التربية الإسلامية بالجذوع المشتركة للتعليم الثانوي التأهيلي".ص: 4.