الصفحة 4 من 18

القرءان هو خطاب عالمي، لكن كيف يمكن لخطاب واحد أن يستوعب البشرية بأكملها إن لم يكن هذا الخطاب قادرا على استيعاب خصوصياتها وسائر أنماطها الثقافية ومناهجها المعرفية؟ وإن لم يكن هذا الخطاب يشتمل على خصائص تؤهله لذلك؟ وقد وهم البعض واتهم الخطاب القرءاني بأنه خطاب حصري يختص بقوم -العرب- دون سائر الأقوام، وبمكان -الجزيرة العربية- دون سائر الأمكنة، وبزمان -زمن النزول- دون سائر الأزمان.

إن الخطاب القرءاني لا كأي خطاب: إنه خطاب معجز متحد مطلق يستوعب الإنسان والموقف والواقع ويتجاوزهما. فالخطاب القرءاني بإعجازه وإطلاقيته يستوعب الواقع أي واقع ويتجاوزه، يستوعبه بما يحمل من قدرات الخطاب المهيأ للتنزل على أي واقع نسبي ومهما كانت التغيرات النوعية فيه، وذلك"بغائياته وكلياته ومقاصده، والربط بين غايات الحق من الخلق والسنن الموضوعة لتسييره إلى مداه". فعلاقة الخطاب القرءاني ببيئة وأسباب النزول هي علاقة النسبي بالمطلق.

فالخطاب القرءاني يتوجه بشكل مباشر هادف إلى الإنسان في كينونته الكاملة عقلا ونفسا ووجدانا وعاطفة. يقول د. عبد الله دراز:"وفي النفس الإنسانية قوتان: قوة تفكير، وقوة وجدان. وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها. فأما إحداهما فتنقب عن الحق لمعرفته وعن الخير للعمل به، أما الأخرى فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم. والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتيها حظها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معا" [1] .

(1) - النبأ العظيم، د. عبد الله دراز. دار القلم-الكويت، الطبعة السادسة 1405 هـ/1984 م. ص ص 113 - 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت