الصفحة 11 من 18

جزء من أجزائه وفي أجزائه جملة لا يعارض بشيء إلا إذا خلقت سماء غير السماء، وبدلت الأرض غير الأرض. وإنما كان ذلك لأنه صفى اللغة من أكدارها، وأجراها على بواطن أسرارها. فجاء بها في ماء الجمال أملأ من السحاب، وفي طراءة الخلق أجمل من الشباب، ثم هو بما تناول من المعاني الدقيقة التي أبرزها في جلال الإعجاز، وصورها بالحقيقة وأنطقها بالمجاز، وما ركبها به من المطاوعة في تقلب الأساليب، وتحول التراكيب إلى التراكيب، قد أظهرها مظهرا لا يقضي العجب منه، لأنه جلاها على التاريخ كله لا على جيل العرب بخاصته، ولهذا بهتوا لها حتى لم يتبينوا أكانوا يسمعون بها صوت الحاضر أم صوت المستقبل أو صوت الخلود، لأنها هي لغتهم التي يعرفونها" [1] ."

فلسان القرءان الكريم يتفرد عن لسان العرب، فهو إن كان يتصل به من جهة الألفاظ فهو ينفصل عنه من جهة الأغراض. وعلاقة لغة العرب بلغة القرءان هي علاقة النسبي بالمطلق، فلغة القرءان الكريم لغة مطلقة شاملة ومستوعبة للعرب وغيرهم، وليس بحثنا عن أوجه تداخل اللغات مع اللغة العربية، ولكن حسبنا معرفة كيف يستعان باللغة العربية على فهم ألفاظ القرءان ومعانيه.

اللغة ألفاظ، وهذه الألفاظ ينظر إليها من حيث هي أبنية صوتية مادتها الحروف وصورتها الحركات والسكنات، ومن حيث هي ألفاظ ذات معان ودلالات، وهذا النظر أهم من الأول، فالألفاظ تكتسب أهميتها من حيث تصويرها للمعاني والدلالات ونقلها من المتكلم إلى المخاطب بها، لا من حيث أجراسها وأنغامها.

يقول الراغب الأصفهاني:"أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرءان العلوم اللفظية، ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من"

(1) - نفسه، ص 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت